الأربعاء 20 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

لا شماتة في موت مرسي … ولكن

الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي (أرشيف)
الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي (أرشيف)


رحم اللهُ مرسي العياط الذي كان أداةً طيّعة في يد المرشد. وحفظ اللهُ مصرَ من ويلهم
مات رجلُ الإخوان محمد مرسي العياط. صار في ذمّة الله الحَكَم العدل الرحمن الرحيم، الذي لو حاسبَنا "بعدله" لكان البشرُ من الخاسرين. ولو حاسبنا "برحمته" لنجا منّا الظالمون. ونحن لا نشمتُ في موتاهم، وإن شمتوا في موتانا وشهدائنا. فكلُّ إنسان يصدرُ عن نفسه. لهذا نقول: "رحل رجلُ الإخوان، رحمه الله". ونرجو أن يُحاسَبوا بعدل الله لقاءَ ما ارتكبوا من جرائمَ في حقّ مصر وفي حق المصريين وفي حق الإنسانية، ومن قبل في حق الإسلام، الذي دنّسوه بأفعالهم حتى خرج منه الكثيرون على أياديهم السوداء.

مات مرسي العياط. وما حيلتُنا وقد أهاج موتُه ذكرياتٍ غليظةً داميةً ظلَّت تنحرُ في قلوبنا وقلب مصر عاماً كاملاً، هو من أتعس الأعوام التي مرّت على مصر الطيبة، التي ليس من نقاط سوداء في تاريخها إلا عام الإخوان المظلم.

والشاهدُ أن الإخوان لم يتركوا جريمة في حق مصر لم يرتكبوها، فلم يتركوا لنا أية مساحة لمسامحتهم. وتاريخُ الإخوان منذ عام 1928 وحتى اليوم، شاهدٌ عليهم. وأدبياتهم، دليلُ إدانتهم. فقد تآمروا مع الإنجليز ضد الملك فاروق، وتآمروا مع الملك ضد الجيش المصري، وتآمروا مع قطر ضد مصر، وتآمروا مع حماس ضد المصريين، وتآمروا مع إسرائيل من أجل مكاسبهم، ولو تمكّنوا من عقد صفقة مع الشيطان للاستحواذ والتمكين، ما تأخروا لحظة. فلا تسل "الوطن" حين تتحدث عن الإخوان.

فور اقتناص الإخوان عرش مصر في يونيو 2012، هتف "الشيخُ" راغب السرجاني، أحدُ أدعياء المشائخ على منبر المسجد قائلا: (فوزُ مرسي بالحكم هو آيةٌ من آيات الله. وزيارتُه السعودية: إسراءٌ، وعودته إلى مصرَ: معراجٌ"!) تصوروا! هكذا صار مرسي العياط في خانة الرسول عليه الصلاة والسلام في لحظة! وماذا بوسع البسطاء أن يقولوا بعد كلام مثل هذا؟ لم يتبق إلا إغلاق العقل والنظر إلى الإخوان بتقديس بوصفهم آيات الله، ورُسله.

هكذا فرد الإخوانُ قلوعَهم على صفحة مصر، وأساءوا السلوك منذ يومهم الأول وحتى يومهم الأخير. والقاعدةُ تقول: "مَن أمِن العقابَ، أساءَ الأدب". وتلك القاعدة لا تنسحبُ على البشر كافة، بل على معدومي الضمير منهم. لأن القانونَ هو حافظُ الحد الأدنى من الأخلاق، بينما الضميرُ هو ضامنُ حدّه الأعلى. فذو الضمير الحيّ، لا يحتاجُ إلى قانون لكي يسلك سلوك الصالحين. هو صالحٌ لأنه يود أن يكون صالحاً ومحترماً، حتى وإن عاش وسط اللصوص والقتلة. بينما القانون، ابتكرته البشريةُ لكي يعاقِب من غاب عنهم الضمير. لهذا يسميه علماءُ النفس: "الأنا العليا"، لأن الضمير هو المايسترو الأعلى الذي يقود أوركسترا سلوك الإنسان، وينظم خطواته، فتخرج الجملةُ الموسيقية متناسقةً عذبة، لا نشاز يفسدها. ولكن، ماذا لو غاب الضمير، وغاب القانون كذلك؟ هنا يتحول المجتمع إلى غابة، تسودها فلسفة: "البقاء للأقوى".

 في مجتمع كهذا، يكون للبلطجيّ سلطانٌ على المجتمع، لأنه يمتلك الذراع المفتولة والعصا والمطواة واللسان البذيء، بينما لا يمتلك العالِم أو المفكر أو الشاعر أو الفيلسوف سوى العقل الواعي المثقف، واللسان المحترم.

هذا بكل أسف كان حال مصر عام حكم الإخوان. غاب الضمير عن نفرٍ من شعب مصر، ورجال أطلقوا على أنفسهم "مشايخ"، اعتلوا منابر الزوايا وشاشات الفضائيات يملؤون وعي الناس بالركاكات والأغاليط التاريخية والدينية، مثل الأغلوطة الركيكة السابقة، ويعلّمونهم أن الوصول إلى الله يكون بكراهية خلق الله، وهدم دور عبادة المسيحيين، وقتلهم، وتحقيرهم، وازدرائهم، وسبي نسائهم! هل يتصور عاقلٌ أن يصل إلى الله (القيمة المطلقة للجمال) عن طريق كل ما سبق من قبح؟!

حين يخرجُ رجلٌ على فضائية، أو منبر مسجد، ويقول بملء فيه: "أنا أبغضُ في الله هذه الطائفة أو تلك!" كيف لا ينتبه مَن يسمعه، إلى تلك المغالطة اللغوية في جملته القصيرة؟! كيف يجتمع النقيضان؟ الحب المطلق (الله)، والبغض لخلق الله؟! لكن ضعاف النفوس والعقول، بكل أسف. صدقوا، ليخرج نفرٌ منهم من فورهم لكي يهدموا كنيسة أو يقتلوا مُصلين، أو يهينوا فتاة مسيحية! ثم يتوضأ القاتلُ ويسجد لله شكرًا، على ما فعل من آثام، لن يغفرها له الله. ولن ينجيه يوم الحساب أن يقول: لقد نفذتُ ما أمرني به هذا الإمام المتطرف أو ذاك الداعية الإخواني. في عهدهم التعس اقتحم موتورون مبنى مشيخة الأزهر وحطموا واجهتها وحاولوا حرق مكتبتها ووصلوا إلى مكتب سماحة الإمام الأكبر شيخ الأزهر. وفي عهدهم اقتحم موتورون الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، سيدة كنائس العالم، وحاولوا إحراق مكتبتها واقتحام المقر البابوي، حيث يقطن قداسة البابا. سعي "محمد مرسي" وزبانيته من الإخوان إلى تقويض مفاصل مصر وهدم معالمها التاريخية والدينية لينخروا في نسيجها المواطني والمجتمعي ويفتتوه تمهيدًا لمرحلة "التمكين" حيث تصبح مصرُ وطنًا للإخوان في مصر وقطر وحماس والسودان. ولن يكون أمام المصريين إلا الانسحاق التام تحت لواء الإخوان، أو البحث عن وطن آخر في كندا وأمريكا وأوروبا والإمارات!

اجتهد الإخوان خلال عامهم التعس في إحراق تاريخ مصر الحقيقي كي يكتبوا تاريخًا مزوراً روّاده: "حسن البنا"، و"سيد قطب" و"بديع وعاكف" والراحل مرسي وأضرابهم، لكي ينشأ أطفال مصر على ذاك التاريخ المزور فتُغسَل أدمغتهم، ومع مرور السنوات، تبدأ في الظهور أجيالٌ تلو أجيالٍ من الإخوان الضالين.

حاول الإخوان هدم الأزهر، لأنه رفض الصكوك الحرام، وحاولوا هدم الكنيسة، لأن المسيحيين ساندوا الأزهر. وكان الهدفَ الحقيقي يتمثل في هدم رمز الإسلام، ورمز المسيحية، في مصر، لكي يخلو لهم الجو لبذر الدين "القُطبي"، نسبة إلى سيد قطب، الذي يعمل على تصفية المعارضة، وبناء دولة الميليشيات الحمساوية.

رحم اللهُ مرسي العياط الذي كان أداةً طيّعة في يد المرشد. وحفظ اللهُ مصرَ من ويلهم.

T+ T T-