الأربعاء 17 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

حجر ليبرمان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان.(أرشيف)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان.(أرشيف)


بعض قادة الليكود يرى أن نتانياهو أصبح عبئاً بالمعنى السياسي، خاصة بعد التحقيق معه في قضايا رشوة وخيانة أمانة وفساد
 ألقى أفيغدور ليبرمان، الذي يتزعّم حزب "إسرائيل بيتنا"، قبل أيام، حجراً في بركة السياسة الإسرائيلية، التي يصعب القول إنها راكدة، ولكن نوعية وحجم الحجر أثارا ردود فعل، ومخاوف، تتجاوز الوزن الانتخابي لليبرمان نفسه، الذي تحوّل إلى ما يشبه ضابط الإيقاع، أو "بيضة القبّان" في المشهد السياسي الإسرائيلي.

ولإدراك ما أثار حجر ليبرمان من تداعيات ومخاوف، ثمة ما يبرر البدء بحقائق لا يختلف عليها اثنان: سيذهب الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم بعد أشهر قليلة في انتخابات هي الثانية خلال ستة أشهر، بعدما فشل نتانياهو في تشكيل الحكومة، وهذا غير مسبوق في تاريخ النظام السياسي الإسرائيلي.

وبما أن العقبة التي اعترضت تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة مرشّحة للتكرار في الانتخابات الجديدة، أيضاً، ومع ما لأمر كهذا من تداعيات خطيرة، فليس من السابق لأوانه القول إن النخب الإسرائيلية السائدة ستحاول تفادي الأزمة بكل طريقة ممكنة وهذا قد يعني التضحية بأشخاص، وتجاوز ما يبدو للوهلة الأولى خطوطاً حمراء، وإعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية.

والمفارقة، في هذا الشأن، أن العقبة المعنية تتجلى في شخص ليبرمان، الذين يدين بصعوده في المشهد السياسي لبنيامين نتانياهو، فاستقالته من منصب وزير الدفاع أرغمت نتانياهو على الدعوة إلى انتخابات مُبكّرة، قبل أشهر قليلة، وفرضه شرطاً "تعجيزياً" حال دون تمكين نتانياهو من تشكيل الائتلاف الحكومي، بعد الانتخابات الأخيرة.

واليوم، تبدو العقبة وكأنها القدر الذي يُلاحق نتانياهو في الانتخابات المُقبلة، أيضاً، ولكن بطريقة أكثر تعقيداً، وخطورة، مما كان عليه الحال في وقت مضى. فللمرة الأولى، وفي خرق لما استقر "كتقليد" في لعبة السياسة الإسرائيلية، تكلّم ليبرمان عن إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية تضم تحالف أبيض، أزرق، والليكود، و"إسرائيل بيتنا" لتحرير النظام السياسي من أزمته، ومن استغلال الأحزاب الدينية، وتشكيل حكومة يمينية ـ ليبرالية تحظى بأغلبية برلمانية مريحة، ويمكنها اتخاذ قرارات مصيرية.

هذا مضمون ما أسميناه بالحجر الذي ألقاه ليبرمان، وتتجلى خطورته في حقيقة أن تحالف أبيض ـ أزرق قرن استعداده للمشاركة في حكومة ائتلاف وطني بوجود شخص غير نتانياهو على رأس الليكود، والحكومة. وهذا ما يزداد تعقيداً، لأسباب أضافية أيضاً، فبعض قادة الليكود يرى أن نتانياهو أصبح عبئاً بالمعنى السياسي، خاصة بعد التحقيق معه في قضايا رشوة وخيانة أمانة وفساد. وهذا يعني أن احتمال التضحية به أصبح، في نظر البعض، على جدول الأعمال.

وإذا قبلنا، نظرياً، بما يصدر عن مراكز استطلاع الرأي من توقعات بشأن المقاعد المُحتملة التي ستحصل عليها مختلف الكتل البرلمانية في الانتخابات المُقبلة، فإن انقسام الكنيست بين المعسكر القومي ـ الديني من ناحية، ومعسكر يمين الوسط، وتيارات عمالية وليبرالية، إضافة إلى الأحزاب العربية، من ناحية ثانية، لا يمكن أحداً في هذين المعسكرين من الحصول على أغلبية مريحة.

لا أحد في الأحزاب الصهيونية يقبل تشكيل حكومة تضم القوائم العربية، كما أن التكتلين الكبيرين، أي أبيض ـ أزرق، والليكود لن يتمكنا من تشكيل ائتلاف حكومي موحّد دون برنامج سياسي مُتفق عليه، وهذا قد يُغضب الكثيرين من انصار الليكود، وفي معسكر اليمين. وفي ظل هذه المعادلة يستمد ليبرمان الذي تتراوح مقاعده البرلمانية ما بين 6- 8 مقاعد قيمته وأهميته، إذ يمكنه ترجيح كفّة الليكود، إذا اتفق معه، أو عرقلة حصوله على أغلبية مريحة إذا اختلف معه.

ومع ذلك، وبما أن كل مسألة سياسية في إسرائيل سرعان ما تكتسب دلالة أيديولوجية، وتحاول العثور على صلة نسب من نوع ما بما يرى فيه أنصارها "صهيونية أصلية"، يحاول ليبرمان، وقد تحوّل إلى "ضابط إيقاع" في المشهد السياسي، تفسير موقفه من موضوع التحالف مع يمين الوسط، وموضوع فرض الخدمة الإلزامية على طلاّب المدارس الدينية، بالدفاع عن القيم العلمانية للصهيونية، والتحرر من استغلال وهيمنة وجشع الأحزاب الدينية، التي لا يؤمن بعضها بالصهيونية، ولا بالدولة الإسرائيلية.

ولكن هذا التفسير الأيديولوجي لا يخفي حقيقة أن ليبرمان، الذي اعتمد على أصوات المهاجرين اليهود من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، يحاول توسيع قاعدته الانتخابية، وتقديم نفسه كممثل للعلمانية في المجتمع الإسرائيلي، دون قشرتها العمالية التقليدية، ونزعتها اليسارية. ومع ذلك، في مجرّد المرافعة الأيديولوجية لليبرمان، في هذا الصدد، ما يعيد تنشيط الصراع الديني ـ العلماني في المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات بدا فيها وكانه اختفى من الواجهة. ولعل هذا معطوفاً على ما تقدّم يفّسر حجر ليبرمان، وما ينطوي عليه من تداعيات سياسية وأيديولوجية قريبة وبعيدة.
T+ T T-