الجمعة 18 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

"الخريف الأخير" ... شخصيات منكسرة تروّض الأمل

علاف طتاب "الخريف الأخير".(أرشيف)
علاف طتاب "الخريف الأخير".(أرشيف)


بطل قصة "خريف"، يخشى الموت في لحظة يقف فيها بين العدم والوجود، وهو لا يعرف كيف يأتيه الفرح، وكيف تغادره الكآبة
قد لا تبقى في ذهنك ملامح كاملة لحكاية ما بعد أن تفرغ من قراءة المجموعة القصصية الأخيرة لحسين عبد الرحيم "الخريف الأخير" لعيسى الدباغ، لكن ليس بوسعك أن تنسى بحر الجمال المعتق الذي سبحت فيه وقت مطالعتها على مهل، تاركاً نفسك لصور وألوان وأشواق وشطحات ولهفات ونظرات كسيرة إلى أفق مجروح، وأنت تلهث وراء سطور متقطعة تجعلك تهيم بهذه الشخصيات الخارجة من عمق الحياة، بدءا من "حسن كبريت"، وحتى فتاة شارع 26 يوليو(تموز).

يبدو الكاتب بين قصصه، كمخرج بارع بين الوحدات التي تشكل الجزء الذي يهمه أكثر من العمل الفني، مثل الصورة والتعبيرات التي تفيض بها ملامح الممثلين، والجيشان العاطفي الذي يعني الانهماك والانغماس في أداء الدور، وإن بقي الحوار في الخلفية بعد أن تم الاتفاق عليه، وهو وحده الذي يمثل الخيط المتتابع للحكاية، لكن قلة ممن يذهبون إلى مشاهدة الأفلام، لا يكتفون بالحواديت، إنما يراقبون براعة الصورة وعمق التمثيل أو المحاكاة.

ولأن الكاتب سينمائي أيضاً، حضر ورش ودراسات السيناريو والإخراج والتصوير وساعد مخرجين كباراً مثل يوسف شاهين، وعاطف الطيب، وعاطف سالم، فإنه أخلص في مجموعته تلك لمسارين هما الإخراج المشغول بالصورة والخلفية والأداء، وصاحب القصة الذي يضع البذرة الأساسية للعمل السينمائي.

يكتب حسين عبد الرحيم ما تشتعل به نفسه وذائقته، وهو يهيم بين وجوه وشخصيات وأماكن ووقائع، محاولاً أن يلتقط التفاصيل الهاربة، كي ينسج منها حكاية، لكن الحكاية تغور في قيعان من الفن المعتق، الذاهب إلى الشعر، أو الرسم، أو إلى هذه الصورة التي يرسمها لنا الكاتب بخصوص بطل أولى قصصه المسمى "حسن كبريت" حيث يقول: "كنت أرقب حراكه وهو شبه دائخ. أرقب من بعيد، بلا خوف، ودون اكتراث"؟

حين تطالع عنوان المجموعة تظن للوهلة الأولى أنك ستقرأ شيئاً عن مصير عيسى الدباغ بطل رواية نجيب محفوظ "السمان والخريف"، لاسيما في أيام انكسار الثورة أو تعثرها وربما إخفاقها، وتمني نفسك، إن كان لك انشغال بما جرى في يناير 2011 وما بعدها، أن تقدم هذه المجموعة شيئاً عن الخارجين من النضال العارم بخفي حنين، لكنك سرعان ما تجد نفسك في اختبار حقيقي، يتمثل في التنقيب عن هذه المصائر في أقوال وأفعال الشخصيات كافة، وكأن عيسى الدباغ قد وهب سره لكثيرين، أو رماه على قارعة الطريق، والتقطه من يريد، أو من يصادفه، أو من اكتوى بنار الرغبة في تبدل الحال، ولم يصل إلى شيء، لكنه لا يلبث أن يضعنا أمام عيسى، كما قرأناه ورأيناه عبر فيلم سينمائي في تجسيد صنعته قسمات الممثل الموهوب محمود مرسي، حين يقول في آخر قصة حملت اسمه: "هنا وبعيداً نسبياً عن ناظري، أنظر سماء الله، النجوم المحجوبة خلف غمام، كانت مليكة تتعلق بكف ريري الناعم الأشقر وهي تنظر شذراً لعيسى الدباغ، تخرسه بنظرات كالطلقات، كسهام من نار، وهو خرس، كاظم الغيظ، عصابي، سكران، يهذي ويتوه، ويطيل في التحديق، يعود الطلل لسعد، بحسرة هذه المرة. يجول بعينيه في البعيد جهة بحري محاولاً الإنصات لصوت البحر".

لكننا بالطبع لن نجد تفاعلاً مباشراً مع حكاية "عيسى الدباغ" الذي صار أمثولة للثوار المهزومين، أو حالة لمن جرفتهم أحداث التاريخ خارج مجراها الذي يتدفق في اللحظات الاستثنائية والمختلفة للدول، إنما نجد نثار هذه الحكاية موزعاً على أبطال القصص، الذين يرسفون في أغلالهم متقدمين بخطى وئيدة فوق أحلامهم المجهضة.

فبطل قصة "خريف"، يخشى الموت في لحظة يقف فيها بين العدم والوجود، وهو لا يعرف كيف يأتيه الفرح، وكيف تغادره الكآبة، بينما يرى أن "الأرض يكسوها تراب الخريف .. مائة خريف، ألف خريف"، فيما يتماهى بطل قصة "دائرة الرحلة" مع عمر الحمزاوي بطل رواية نجيب محفوظ الأخرى "الشحاذ"، الذي سكنه السأم والحيرة، وراح بعد حياة كان يظنها تمضي رخية سخية، يسأل عن سبب وجوده فيها، ليقول بطل القصة عن نفسه: "أنا الشحاذ ابن النكبات والثورات والرجاء والأمل وخيبة اليقين".

في هذا التيه لا نستغرب أن يتحول عيسى الدباغ إلى شخص آخر، في قصة حملت اسمه، ضمن مشاهد سردية داخل المجموعة عنوانها "السيرة"، فهو هنا ليس هذا المنكسر على محطة الزمن، إنما الشارد الغريب في المكان، المفعم بالحنين، المؤمن بأن كل شيء على حاله منذ سبعة عقود أو يزيد، ليكون في الحقيقة هو حسن كبريت، التجلي الراهن لعيسى الدباغ، فالأول "ليس فاقداً للذاكرة، ولا ضد مشيئة الرب، كل ما يهمه وقت خروجه، رأسه، تلك التي تساقط الشعر منها، حتى تعرى نصفها أو كاد، له عشر ليال يحاول النوم، ليتوقف عند سنواته الأخيرة التي انقضت في لمح البصر"، وهو عم يمنى الذي يسكن شارع السراي، وهو الواقف عند صخرة أنطونيوس.

يتحول عيسى أيضاً إلى ذلك الجالس بجوار الجثث عند مشرحة زينهم وفي ساحة التحرير، كما تنبئنا قصة "الطلقة"، حيث سقط الغرباء برصاص غادر، وكأنها تريد أن تقول للثوار، لم تحصدون سوى انكسار الدباغ، حتى لو كنتم أكثر منه براءة، وأقل من أن تنالوا "ريري" الجميلة، فبطل القصة الباحث عن الخلاص في خشوع الصلاة، يجد نفسه ليلة جمعة الغضب في ثورة يناير "يشد شعر رأسه لعله يفيق"، أو يخرج من كآبته لأنه "مخنوق مكلوم، يكاد يصرخ في صحن المسجد"، لكن كل ما يريد لم يلبث أن يذهب سدى، ليجد نفسه وكأنه بطل قصة "الهروب" الذي يقول عن نفسه: رأيتني أركض .. كأن الغروب قريب .. والليل يزحف خائفا في البلاد .. واستطالت جسور الأسفلت . وبقي الحصى يلملم هالات الأدخنة وقتما انحبس الغبار في رياح الغضب". وربما يكون بطل قصة "الصيف الأخير"، الواقف بين الواقع والخيال، والذي يصف الكاتب قائلا: "هو هكذا دائما، حلمه حقيقة، وحقائقه تشبه الأحلام، كان دائما يفاضل بين البحر واليابسة، يعشق الخريف راقصاً. في الشتاء لا يحصى عقود عمره، ذاكرته صور لأحياء في مدن عبر فيها ومنها".

لم يستعر الكاتب "عيسى الدباغ"، الذي لم ينسه أي أحد عرف موقعه في جزء من النص المحفوظي يسجل انتقال مصر إلى ما بعد 1952، إنما وضعه في خلفية شخصياته هو، التي تشعر أحياناً أنها نابتة أو نابعة من شخصية واحدة، راوية كانت أو واصفة أو شاهدة على ما جرى للناس، الذين سحقتهم أحذية زمن قاس، وربما تكون، في بعض الأحيان إن لم يكن أغلبها هي الكاتب نفسه، الحاضر في نصه، دون مواربة، حين نجد سيرته الذاتية متسربة بين ثنايا نصه، حاملة انطباعته وآراءه، فرحه وحزنه، فورته وسكونه، لنراه في النهاية يريد أن يجسد المعادل الراهن للدباغ، فرغم اختلاف الزمن والتفاصيل فإن الانكسار واحد.

وقد يقول قائل إن هذه السمات والحالات قد صبغت قصص وروايات حسين عبد الرحيم دوماً، وهذا صائب، لكن لا يمكن لمتدبر أن يغض النظر، أو يتجاهل اختياره عنوان قصص مجموعته الأخيرة ليكون "الخريف الأخير لعيسى الدباغ"، وهو عنوان بقدر ما يحمل من الانقباض والقنوط باستدعاء هذه الشخصية، الواقعية المتخيلة، والخيالية الواقعية، فإنه يحمل تفاؤلاً، نتمنى أن يسود، حين يجعل هذا الخريف هو الأخير.    
T+ T T-