الأربعاء 17 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

بعد العقوبات الأمريكية: إكرام حزب الله.. دفنه

أمين عام حزب الله حسن نصرالله (أرشيف)
أمين عام حزب الله حسن نصرالله (أرشيف)
تستمر الولايات المتحدة في سعيها إلى تضييق الخناق أكثر فأكثر على النظام الإيراني بتشديد العقوبات وتضييق هوامش المناورة والتحرك، ومضاعفة الضغط على الأذرع، والتنظيمات الموالية لطهران، مثل حزب الله، الذي تعرض لطائفة جديدة من العقوبات طالت مسؤولين بارزين فيه، رغم حصانتهم البرلمانية.

وفور إعلان العقوبات الجديدة التي استهدفت النائب أمين شري، والنائب محمد رعد، إلى جانب مسؤول جهاز الأمن ووحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، شددت الخارجية الأمريكية على أنها لم تعد تميز بين "الجناحين السياسي والعسكري لحزب الله"، مؤكدة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، ستواصل حث حلفائها على تصنيف الحزب بأكمله منظمة إرهابية.



وفور إعلان هذه القرارات انتشرت التساؤلات عن المغزى منها وعن علاقتها بإيران، وسياسة الضربات الموجعة، وما حجم الضرر الذي يمكن أن يطال إيران، بتقطيع أوصال الحزب في هذا الوقت، خاصةً أن الجناح العسكري لحزب الله محاصر منذ سنوات، بالعقوبات الأمريكية، في انتظار العقوبات البريطانية، وربما الأوروبية أيضا، ما دعا إلى التساؤل عن مبررات القرار وصلته، بتطورات لا تطال إيران وحدها، ولكن حزب الله، وأذرعه التي لا تبرز على السطح كثيراً، خاصةً الناشطة منها في مناطق بعيدة نسبياً عن مركز الصراع اليوم في الخليج والشرق الأوسط.



ضربة استباقية
اعتماداً على ما يتوفر من معطيات ومعلومات، فإن العقوبات التي أقرتها واشنطن، تتجاوز الصراع والتوتر مع إيران، وهي أقرب إلى ضربة استباقية، منها إلى ضربة مكملة لخطة تطويق إيران.

وحسب مصادر خاصة ومعلومات موثوقة، تحرك الحزب منذ بداية العام الجاري، بعيداً عن الرصد والملاحقة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، عبر مراكز فرعية في أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، وحتى مناطق قريبة من الحدود الأمريكية نفسها، في انتظار الساعة الصفر.

وحسب هذه المعلومات الخاصة، عمل الحزب على زراعة خلايا نائمة في دول قريبة من القرن الأفريقي، من جهة وفي وسط أفريقيا، خاصةً تشاد، والسودان، وصولاً إلى غانا، والنيجر، وغامبيا وأفريقيا الوسطى فضلاً عن مراكز لوجستية في أرتريا، وبعض جزرها، وربما أثيوبيا أيضاً بإشراف لبنانيين أو مغتربين، وموالين للحزب من المقييمن في تلك الدول التي شهدت نشاطاً إيرانياً مكثفاً دعوياً وتجاريا، وثقافياً في السنوات الماضية، ما مهد لحزب الله اختراقها أمنياً من جهة والتمهيد لاستقطاب وتجنيد مواطنين فيها، تحولوا إلى المذهب الشيعي، أو طمعاً في مكاسب مادية مختلفة، وامتيازات مالية.

ولم تتوقف أجهزة حزب الله عن التحرك في القارة السمراء، من السنغال إلى كوت ديفوار، التي تعد من المهاجر التقليدية للبنانيين، ومنها المغرب وحتى الجزائر، وهو ما كشفه طرد المغرب للسفير الإيراني قبل أشهر واتهامه بالتآمر مع جبهة تحرير بوليساريو، عليه بالتعاون مع خبراء تفجير وتدريب عسكري من حزب الله.
وفي انتظار تطويق تونس وربما ليبيا قبل الوصول إلى مصر، بعد ظهور حسينيات في تونس لأول مرة منذ خروج الخلافة الفاطمية من تونس إلى القاهرة قبل ألف عام، يعمل الحزب على وضع كامل أفريقيا في دائرة نفوذه استعداداً للمواجهة.

وينتظر الحزب أن تتجاوز الصعوبات التي تنتظر حدود طاقته على المواجهة أوالصبر، وعليه فإن المصادر تؤكد أنه بدأ التحرك في إطار استراتيجية الأرض المحروقة منذ أشهر طويلة، وهو ما انتبهت له أخيرا الأجهزة الأمريكية التي رصدت مناطق حمراء كثيرة في أفريقيا، وأمريكا، وأوروبا، وظهور تنظيمات "اسمية" على الساحة أو عودة تنظيمات سابقة قديمة للنشاط على رادارات الرصد والمتابعة.

وينتظر الحزب أن يجد نفسه في مواجهة الزقاق الضيق، بعد صدور حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، واتهام الحزب رسمياً بجريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، على يد أجهزة حزب الله، بقرار سياسي من قيادة الحزب، ما يُفسر القرارين الأمريكي والبريطاني، بنزع الشرعية عن الفصل بين الجناحين المشكلين للحزب.

 

وتستعد المحكمة التي اتهمت بعد، أربعة أعضاء في حزب الله بالضلوع في الجريمة، وأبرزهم مصطفى بدر الدين الذي قتل في سوريا، و"العقل المدبر" للجريمة ولكل عمليات الحزب السابقة في الخليج والعالم والقيادي المقرب من نصر الله زعيم الحزب شخصياً، بفتح أبواب جهنم على الحزب بقرارها المنتظر في آخر العام الجاري.



وفي هذا الإطار توضح المصادر أن رد حزب الله على حبل المشنقة الذي سيوضع حول رقبته، اتخذ منذ مدة، بالتنسيق مع إيران، التي تجد في هذه الاستراتيجية ما يسمح لها بتحقيق بعض المكاسب في مواجهتها التي كانت تتوقعها مع إدراة ترامب، منذ انسحاب أمريكا رسمياً من الاتفاق النووي مع طهران، مع تمكين الحزب من حرية التصرف المطلق، أولاً لإبعاد الأنظار عنها، وثانياً لاستغلال ذلك في أي مفاوضات محتملة سرية كانت أو علنية.

ولكن الحزب الذي وجد نفسه في ضائقة مالية خانقة، بعد توقف الشريان الإيراني، وبعد الضربات التي تلقتها شبكات التهريب والتجارة في المخدرات في كل من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، في فنزويلا بالتحديد، بسبب انهيار نظام مادورو، وعزل قيادات بارزة فيه، مثل السوري الموالي للحزب في أمريكا اللاتينية طارق العسيمي، الذي طالته بدوره العقوبات والتضييقات الأمريكية، وانكشاف شبكات كولومبيا، والمكسيك، والمثلث الحدودي الشهير بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي، أدرك أن ساعة الحسم اقتربت ما جعله يحرك شبكاته الإرهابية القديمة خاصةً منظمة الجهاد الإسلامي، وجهاز العمليات الخارجية الخاصة، والوحدة 901، انتهاء بعودة المنتمين السابقين والمنشقين عن منظمة الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، إلى الظهور بعد كمون استمر حوالي 30 عاماً، خاصةً الأجنحة والشخصيات التي سبقت لها التورط في عمليات مشتركة مع حزب الله، في الداخل اللبناني أو في الخارج، خاصةً في أوروبا وفرنسا تحديداً في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وبالتوازي، مع التحركات الدولية الموسعة التي أثارت اهتمام أكثر من جهاز استخباراتي من أمريكا، إلى كندا، ومن نيجيريا، ومن فرنسا إلى بلغاريا، كشفت إسرائيل استعدادات الحزب للتحرك الجدي هذه المرة، ليس عبر الأنفاق أو بعمليات محدودة، لكن عن طريق استهداف مباشر ومتعمد لفتح جبهة واسعة ضد إسرائيل، لضمان تجنيد وتعبئة واسعة محلياً وإقليمياً لتأييد الحزب كما في 2006، وهو ما ردت عليه تل أبيب في يونيو (حزيران) الماضي، بمناورات ضخمة واسعة على الحدود مع لبنان، بعنوان "الإعداد لمواجهة مسلحة موسعة مع حزب الله" في إعلان يشكل سابقة من نوعها في تاريخ الاتصال العسكري الإسرائيلي، الذي لم يسبق له أبداً أن كشف تفاصيل بهذه الصراحة والوضوح عن عملياته وتحركاته.

ولكن خطة الحزب لم تتوقف عند هذا الحد، وظهر فيه لأول مرة حسب مصادرنا، البعد الأمريكي والسعي لتنفيذ عمليات وارتكاب جرائم في أمريكا الشمالية نفسها، بعد الشرطة الفدرالية الأمريكية في يونيو (حزيران) الماضي، اعتقالها القوراني الأمريكي من أصل لبناني، الذي كان يُشرف على شبكة ناشطة في الولايات المتحدة وكندا، في 2017، أي منذ عامين كاملين، ورفضت الأجهزة الأمريكية الحديث عن تفاصيلها وأعضائها، باستثناء ما سربته عن رأس الشبكة الأمريكية نفسه، الذي كان يستعد لتنفيذ ضربات نوعية في العمق الأمريكي، ضد أهداف أمريكية، وإسرائيلية أيضاً، إلى جانب عمليات متزامنة في كندا أيضاً، وأصرت الجهات الأمريكية الرسمية كشف الأسباب التي دعتها للإفراج عن هذه المعلومات بعد عامين كاملين.

ولكن مصادرنا توضح أن السريبات الأمريكية، والعمليات الأمنية الكثيرة المضادة التي طالت حزب الله في أكثر من منطقة ودولة في العالم،  في العام الجاري، دفعت الحزب إلى التحرك للخروج من دائرة الرعب بضرب أكثر من هدف خارج المنطقة بشكل خاص، لتفادي الربط بالأزمة الإيرانية، في الأرجنتين على الأرجح في ظل تقارير عن استهداف محتمل لأهداف يهودية وإسرائيلية، وأمريكية، وفي أفريقيا في غرب أفريقيا أساساً، وفي شرقها للتأثير على أي مواجهات محتملة بين إيران والغرب من جهة، ولتوسيع دائرة الخطر الاستراتيجي الذي يهدد الدول التي تفكر في التحرك ضد إيران.



ولكن هذه الإجراءات الأمريكية لا تعد مفاجئة، إذ كانت منتظرة، خاصةً بعد محاولة الحزب تكثيف نشاطه الإجرامي إلى جانب نشاطه الإرهابي، بالسعي إلى تعويض الخسائر الفادحة التي تعرضت لها شبكات التهريب والتجارة في المخدرات من أمريكا.

وفي الخليج العربي وبعد الإجراءات التي اتخذتها السعودية، والإمارات، والبحرين منذ عامين، بإدراجه على قائمة المنظمات الإرهابية من جهة، وتجفيف شبكات التمويل المباشر وغير المباشر، عبر التحويلات المصرفية، أو عبر نظام الحوالة، أو نظام الخمس، وجد الحزب نفسه يتخبط في أزمة مالية خانقة لا تهدد برامجه فقط بل تهدد وجوده واستمراره، ناهيك عن نفوذه.

ولهذه الأسباب قرر الحزب التحرك لخلط الأوراق وإرباك المشهد وابتزاز الدول، بإجبارها على التغاضي عن تمويله، في انتظار أن تتجاوز إيران محنتها لتعاود إمداده على الأقل بما يمكنه من التنفس وتفادي الغرق.

ولكن الأخبار القادمة من طهران، نفسها لا تخلو من مرارة العلقم، فرغم أن صراع الأجنحة في إيران من القضايا القديمة والمعروفة منذ عقود، إلا أنها كانت ولا تزال من المسائل التي لا تؤثر جدياً على النظام وتماسكه، ولكن بعد العقوبات الأمريكية وفي ظل الالتزام المتنامي من قبل عدد كبير من الدول بها، واستعدادها لا لمعارضتها ولكن للبقاء على الحياد، أصبح تماسك النظام صعباً وزاد الوضع تعقيداً ظهور تصدعات تهدد بالتحول إلى شرخ واسع، بعد ظهور مؤشرات على نية لعزل المرشد الإيراني، نفسه لوضع حد للأزمة مع أمريكا والعالم، ما يعني بالضرورة نهاية حزب الله، واحتراق ورقة المقاومة والممانعة نهائياً.

وفي هذا الصدد قالت مصادر، إن أربيل العراقية احتضنت في الأسبوع الماضي، لقاءً سرياً بين موفدين أمريكيين وإيرانيين، بقيادة حفيد خامنئي نفسه، وذلك في إطار تحركات لجهات من داخل النظام نفسه لإزاحة المرشد الأعلى عن منصبه، واقتراح شخصية أكثر اعتدالاً وبراغماتية وقبولاً لدى دول العالم والمنطقة.

ويتزامن ذلك، مع بوادر انهيار الحرس الثوري نفسه، الركيزة الأولى للنظام، والرحم الذي انبثق منه حزب الله نفسه في الثمانينات، بعد سقوط نظام شاه إيران في 1979.

وحسب هذه المصادر، إضافة إلى تقارير كثيرة متنوعة فإن الخلافات التي تعصف بالحرس الثوري، تهدد بقاءه واستمراره وتضامنه، وكان أبرز العلامات التي تؤكد ذلك الإقالات المتلاحقة، والإبعاد لعشرات القادة في الحرس، إلى جانب تحييد آخرين، بالإخفاء أو الاغتيال وأعلن أيضاً هروب الجنرال علي ناصري، والجنرال باسم مصطفى ربيع إلى الخارج، وفي العام الماضي أعدم عدد من جنرالات  الحرس بتهمة التخابر مع تل أبيب، فضلاً عن انشقاق عدد آخر ولجوئه إلى الخارج وإلى سفارات أجنبية، وفي هذا السياق قالت تقارير إيرانية إن السلطات اعتقلت في الفترة الماضية، حوالي 125 من الحرس الثوري من مختلف الرتب، بينهم شخصيات بارزة، بتهمة الخيانة والتجسس، وتسريب وثائق خطيرة وحساسة إلى الخارج.

وعلى هذا الأساس يسعى الحزب إلى التحرك، بتنفيذ عمليات إرهابية، أو تخريبية واسعة لتخفيف الضغط على إيران من جهة، والدفاع عن نفسه من جهة ثانية، واستعادة بعض الزخم والشعبية في العالمين العربي والإسلامي، مع ما يترافق معه من تمويل ودعم، إلى جانب تخفيف العبء على طهران، والحد من النزعات الانقلابية في صلب النظام نفسه، وحماية مصالح وأمن الجميع.



انهيار حتمي
بعد المصائب التي تكالبت على إيران، خاصةً منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، وكشفه صراحةً موقفه من إيران، وتصوره للعلاقة معها في عهده، استنفر حزب الله كل الشبكات الموجودة والعاملة، وسعى إلى تعزيزها ونشرها في أكثر ما يمكن من دول ونقاط عبر العالم، في إطار شبكة عنكبوتية متكاملة.

وكان الهدف من ذلك دعم الجهود العسكرية التقليدية الإيرانية إذا تعرضت للتهديدات تماماً كما كان عليه الوضع في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، التي شهدت عشرات العمليات الإرهابية التي نفذها الحزب ضد دول الخليج، من الكويت إلى السعودية، لمعاقبتها على دعمها للعراق، وفي إعادة شبه كاملة للسيناريو القديم عمل الحزب على استنفار الشبكات للرد على الضربات ضد إيران، على الجبهات الإسرائيلية، والسورية، فضلاً عن جبهة الخليج المحتملة، وهو ما جعل الأجهزة الدولية ترفع درجة الاستنفار والرصد والمطاردة، لتقليم أظافر الحزب ونزع أنيابه، وهو ما أكدته الضربات الأمريكية المتتالية ضده، والعقوبات القاسية والمتلاحقة، والتي تقول المصادر إنها قذفت بالحزب إلى غرفة الإنعاش، قبل قطع الأجهزة عنه، استعداداً لدفنه.


T+ T T-