الأربعاء 17 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

بين غسان كنفاني وعائض القرني

الداعية عائض القرني (أرشيف)
الداعية عائض القرني (أرشيف)


أي محاولة لإصلاح الأمر والتخفيف من الضرر ينبغي أن تنطلق من هنا، من التخلص من هذه اللجان وواضعي السياسات التي أثبتت خلال عقود طويلة فشلها عندما حولت جهلها إلى مناهج لتعليم أولادنا
يصعب تقبل أو فهم وجود نص لداعية مثير للجدل مثل "عائض القرني" في مناهج الصف الخامس الابتدائي الفلسطينية، النص مأخوذ من كتاب "لا تحزن" واسع الانتشار والذي اتضح لاحقاً أن هناك شبهات وصلت للقضاء حول سرقته وانتحاله من قبل القرني، شبهات تطال "الداعية" و"الكتاب" معاً. فيما بعد سيعتذر "القرني" على الملأ عن فتاوى كثيرة وأراء قدمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وموقعه النشط الذي يلتف حوله متابعون كثر، أو خلال جولاته المتواصلة، وتلبيته لدعوات لإلقاء "محاضراته" في قاعات ونوادي وجمعيات، بما فيها مؤسسات دينية وأكاديمية، والتي تتبناها وتشيعها حواضن كثيرة في المجتمعات العربية في مقدمتها شبكة مؤسسات "جماعة الاخوان المسلمين".

اعتذر القرني عن سنوات الثمانينات والتسعينات باسمه وبالنيابة عن زملائه فيما أطلق عليه اسم "الصحوة"، باعتراف مرئي قال إن الكثير من "الأخطاء" صاحبت تلك الحركة وفتاوى دعاتها، معتبراً "أنها خالفت فيها الكتاب والسنة، وخالفت سماحة الإسلام والدين الوسطي المعتدل وضيّقت على الناس".

ليس المقصود بهذه المقدمة استعادة الدور المدمر للقرني وأمثاله من دعاة "الصحوة" في إفساد أجيال من الشباب العربي والمسلم والتغرير بهم وتشويه رؤيتهم للثقافة الاسلامية، وهو أمر سيستغرق زمناً طويلاً لإصلاحه والخروج من تأثيراته، ولكن في تواصل هذا الضرر عبر إدراجه في المناهج التعليمية للأجيال الجديدة.

حتى بعد إثبات السرقة الأدبية من قبل القضاء، أكثر من مرة، وبعد اعتراف الرجل بحجم الضرر الذي أحدثه مع زملائه في الصحوة خلال أكثر من ثلاثة عقود، تسعى هذه النصوص الغثة في مخيلة الأجيال الجديدة عبر كتب مدرسية مقررة!

اختيار نص لوضعه ضمن كتاب مدرسي هو شبكة واسعة ومترابطة من الاختيارات، التي تخدم أهدافاً تشمل القيم والذائقة والمعرفة، أهداف تبدأ من سيرة الكاتب صاحب النص، وتصب جميعها في بناء الثقة لدى الفئة المستهدفة، الطالب/ة في هذه الحالة، بقدرته/ا على بناء علاقة شخصية بمكونات ثقافته/ا مروراً إلى موقعه/ا في الثقافة الانسانية.

ثمة شروط ينبغي توفرها في من أنيطت بهم مسؤولية اختيار النصوص منها المعرفة بالمشهد الثقافي، الخبرة التربوية، الاطلاع على الثقافة المعاصرة، القدرة على الربط بين التربوي والجمالي وبين الوطني والإنساني، بين قراءة الماضي على ضوء المستقبل والانفتاح على الاقتراحات التي تقدمها الإنسانية، وليس جرّ الراهن من عنقه نحو الماضي الساكن، كما يحدث لدينا... إلى آخر هذه الشروط.

فرض أفكار "القرني" هنا مجرد نموذج على غياب توفر هذه الشروط في واضعي المناهج في بلادنا، وهذا لا ينحصر بالمنهاج الفلسطيني ولا ينحصر في بعض النصوص ولا في كتاب الصف الخامس الابتدائي، إذ من الممكن وبسهولة استعراض قائمة طويلة من الاختيارات الغثة التي تصل حد التفاهة في الشعر والسرد والارشادات التي تشوه، بشكل يصعب إصلاحه، منظومة القيم والأخلاق والمعرفة والذائقة، لدى الطلبة. وهي نماذج تعكس الجهل وعدم الكفاءة والافتقار للمسؤولية التي تتصف بها دوائر واضعي المناهج واللجان المشرفة وصولاً إلى مكاتب وزراء التربية والتعليم وأصحاب القرار.

أي محاولة لإصلاح الأمر والتخفيف من الضرر ينبغي أن تنطلق من هنا، من التخلص من هذه اللجان وواضعي السياسات التي أثبتت خلال عقود طويلة فشلها عندما حولت جهلها إلى مناهج لتعليم أولادنا.

كيف يمكن التعامل أو احترام أو الثقة بمنهج فلسطيني يستبدل غسان كنفاني بعائض القرني.

.
T+ T T-