الأربعاء 21 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

عرائس قبل الأوان

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


الشرف –بمفهومه الرجعي البائد-، والهوس به، وبالحفاظ عليه، لا زال يقتل فئة كبيرة من الفتيات أمام أنظار العالم المتعامي عنهن
أشعر بأنه بات علينا إعادة النظر في تعريف جرائم الشرف، إذ لا زلنا نتوهّم بأنها تؤدّي بنصل السكين، أو على وقع الرصاص، فتردي المجني عليها قتيلة، أو تصارع للنجاة.

إن الشرف –بمفهومه الرجعي البائد-، والهوس به، وبالحفاظ عليه، لا زال يقتل فئة كبيرة من الفتيات أمام أنظار العالم المتعامي عنهن، بيد أنه يلفهن بفستان الزفاف الأبيض عوضا عن الكفن، ويزفهن على أنغام الطبل والمزمار عوضاً عن بكاء المُشيّعين.

فقبل عامين، اندلع النزاع الأكثر دماراً في شرق آسيا منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بين الجيش الفيلبيني والدولة الإسلامية "داعش". وحينها وجد مسلمو مدينة ماراوي بإقليم مندناو في الفلبين حياتهم تنقلب رأساً على عقب.

لقد اضطر الأهالي النازحون عن بيوتهم للإقامة مؤقتاً في المدارس، وصالات الألعاب الرياضية، ومراكز الإيواء المكتظة، فتهتّكت رغماً عنهم العادات والتقاليد المُحافظة التي تفرض الفصل الحازم بين الجنسين، وأصبح الاختلاط بين المراهقين والمراهقات شراً لا بُد منه، وكابوساً يعيشونه في وضح النهار، وذلك لأن التفحّم في سيارة عملت داعش على تفخيخها لا يقل سوءاً في عقول البعض عن اكتشاف علاقة حب عابرة بين طفلين بالكاد عبرا حاجز البلوغ.

تفاقمت أكثر من أي وقت مضى في ماراوي ظاهرة زواج القاصرات، والإلقاء بهن في القفص الذهبي للزواج، وذلك تحت ذريعة حماية شرفهن المزعوم من الشُبهات والإغراءات التي جاءت مع ظروف العيش الجديدة الطارئة.
وعلى الرغم من حالة الهلع التي أثارتها هذه الظاهرة لدى "اليونيسيف"، فلا يُفترض من الفقرات السابقة أن تثير دهشتكم كعرب، وهي قصة تدور رحاها بيننا منذ 2011.

فلم يكن الفقر وحده هو دافع الأسر السورية الهاربة من الأحداث الدامية للتخلي عن بناتها القاصرات للطامعين في الزواج منهن، وإن كان هذا السيناريو يحلو لبعض العقول التي تبذل جهداً مضاعفاً لشيطنة اللاجئين.

توضح جيهان لاروس، المتخصصة في مجال حماية الأطفال، والعنف القائم على أساس الجندر، الأهمية غير المُدركة لـ"مسألة حماية شرف الفتاة وعائلتها نظراً لتزايد حالات العنف الجنسي، سواء في سوريا أو في لبنان. زواج ابنتك يعني وضعها تحت حماية رجل ما، مما يعني أنها ستكون أقل عرضة للتحرشات الجنسية".

والوضع مشابه بغض النظر عن اتجاه الحدود التي ركض نحوها السوريون للفرار بحيواتهم، ففي الأردن –مثلاً-، وصلت نسبة الزوجات القاصرات بين جميع زيجات اللاجئات السوريات إلى 35%، على الرغم من أنها لم تكن تتعدى 13% في سوريا قبل انطلاق الثورة، وهي نسبة كانت تفرضها العادات والتقاليد.

أن يستمر هوسنا بمفهوم الشرف لا يُترجم فقط عبر استمرار معاقبتنا للبالغات العاقلات الراشدات على خياراتهن الحياتية التي لا تليق بنا، ولا توافق ذائقتنا. حُمى الشرف قد تعني التمادي أيضاً في الفتك بالقاصرات البريئات متى ما اهتز شعورنا بالأمن والأمان.
فماذا نحن فاعلون؟

T+ T T-