الجمعة 6 ديسمبر 2019
موقع 24 الإخباري

السبسي.. "رجل العبور" يترجّل

الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي (غيتي)
الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي (غيتي)
رحل السياسي المخضرم، الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، اليوم الخميس، عن عمر يناهز 92 عاماً، ليسدل الستار على مسيرة سياسية طويلة تولى خلالها مناصب عدة، منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وفي عهد نظام زين العابدين بن علي، حتى أصبح رئيساً بعد مرحلة انتقالية محورية لتونس عام 2014.

وأعلنت الرئاسة التونسية، اليوم، خبر وفاة السبسي عقب نقله، أمس الأربعاء، إثر وعكة صحية طارئة، إلى المستشفى العسكري بالعاصمة تونس.

وفي يونيو(حزيران) الماضي، تدهورت حالته الصحية، ونقل إلى المستشفى في حالة صحية حرجة. وكان قد غادر المستشفى في أول الشهر الحالي، بعد تلقيه العلاج اللازم.

ويعرف عن الباجي اقتناعه بأهمية صون كيان الدولة وضرورة احترام المؤسسات، الأمر الذي لم يتناف مع إيمانه بضرورة انفتاح النظام ودمقرطة الحياة السياسية.

وحرص السبسي منذ توليه مقاليد الحكم على ترسيخ المسار الديمقراطي، وتكريس روح التوافق الوطني، والدفاع عن هيبة الدولة، وإعادة تموضع تونس وتعزيز حضورها على المستويين الإقليمي و الدولي.


ولد قائد السبسي في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1926 في "سيدي بوسعيد" الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، وتابع تعليمه العالي بكلية الحقوق بباريس في فرنسا وأصبح محامياً.

وشهد السبسي، على بدايات تأسيس الدولة التونسية الحديثة، إبان الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1956، وقد تقلد عدة مناصب في حكومات متعاقبة. 

لكن تاريخ السبسي كمحام وسياسي بدأ فعلياً، حينما كان عضواً بالحزب الحر الدستوري الجديد الذي ناضل ضد الاستعمار، كما كان مستشاراً للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، باني دولة الاستقلال، وأول رئيس لتونس.

وقد ظل السبسي ينظر له حتى بعد وفاة بورقيبة عام 2000 كابنه الروحي، وهو طالما كرر ذلك في خطاباته، على الرغم من مغادرته الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في عام 1974، لتأييده الدعوات الى إجراء اصلاحات سياسية قبل أن يعود إلى الحكومة في عام 1980.


وشغل السبسي، طيلة فترة حكم بورقيبة حقائب وزارية مهمة، بينها أساساً الدفاع والداخلية والخارجية. وبعد صعود الرئيس السابق زين العابدين بن علي، إلى سدة الحكم في انقلاب أبيض عام 1987، انتخب في البرلمان وتولى رئاسته بين عامي 1990 و1991.

وبعد فترة توارى فيها عن العمل السياسي، عاد السبسي إلى الواجهة بتوليه رئاسة الحكومة المؤقتة، إثر الإطاحة بحكم بن علي في ثورة شعبية عام 2011، ليقود البلاد إلى أول انتخابات ديمقراطية ونزيهة في العام نفسه، والتي أفرزت فوز الإسلاميين بالحكم.

وأسس السبسي حزب حركة نداء تونس في 2012، وكان الهدف التصدي لهيمنة الاسلاميين على المشهد السياسي والحكم، وقد نجح في ازاحتهم من السلطة بعد فوز حزبه بالانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2014، وصعوده إلى الرئاسة بفوزه في الدور الثاني على حساب الرئيس السابق المنصف المرزوقي.


ويحسب للسبسي، أنه ساهم في تجنيب تونس الانزلاق إلى الفوضى بتفادي الصدام مع الإسلاميين، في ذروة الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد في عام 2013، عقب اغتيال السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، بأن انتهج سياسة التوافق مع زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي.

لكن الرئيس الراحل، لقي انتقادات من داخل حزبه لتحالفه مع حركة النهضة في الحكم عقب انتخابات 2014، وكان ذلك أحد أسباب الخلافات التي عصفت "بنداء تونس"، حيث شهد انشقاقات أدت إلى إضعافه وخسارته الأغلبية وانقسامه.

واصل الباجي العمل على قاعدة التوافق السياسي مع حزب النهضة إلى حدود خريف 2018، ليعلن وفي موقف هز المشهد السياسي "نهاية التوافق"، بعد أن رفض الحزب الإخواني تغيير رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وتشبث في المحافظة عليه على عكس رغبة الباجي.


ألغى الباجي الذي يرفع راية الدفاع عن حقوق المرأة، ويتبنى أفكار الحبيب بورقيبة في ذلك، مرسوماً يمنع زواج التونسية المسلمة من غير المسلم.

كما أعلن في أغسطس (آب) الفائت دعمه لمشروع قانون غير مسبوق في العالم العربي يضمن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، الأمر الذي يثير جدلاً كبيراً في البلاد.

والقانون المطبّق حالياً المستمدّ من الشريعة الاسلامية، يقضي بأن يرث الرجل ضعف ميراث المرأة في حال كانا على المستوى نفسه من القرابة.

وقال الرئيس التونسي في خطاب متلفز ألقاه آنذاك بمناسبة يوم المرأة التونسية "أقترح أن تصبح المساواة في الإرث قانوناً" ولم يطرح مشروع القانون للمناقشة والمصادقة عليه منذ أن تم تقديمه للبرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت.


وعبر قائد السبسي عن رغبته في تنقيح الدستور وخاصة في ما يتعلق بالنظام السياسي المتبع في بالبلاد وجعله نظاماً رئاسياً يمنح للرئيس سلطات إضافية.

مع تأكيد التزامه بضمان حرية التعبير والصحافة في البلاد، عبر في بعض الأحيان عن عدم تفهمه انتقادات بعض وسائل الإعلام له.

كما قدم السبسي مقترح مشروع قانون يعفي الأشخاص الضالعين في الفساد زمن حكم الديكتاتورية أثار جدلاً وتم تعديله لاحقاً ليشمل الموظفين في الدولة المتورطين في قضايا فساد إداري.

وجهت للرجل في السنوات الأخيرة من عهدته الانتخابية انتقادات حول محاولته "توريث" السلطة لنجله حافظ قائد السبسي، ولكنه كثيراً ما كان ينفي ذلك.

صدر للسبسي كتاب "الحبيب بورقيبة.. الأهم والمهم" عام 2011، وكتاب "الحبيب بورقيبة.. البذرة الصالحة والزؤام" عام 2009.
T+ T T-