الأربعاء 21 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

من والي "كحك" إلى والي مصر.. الفيوم تاريخ طويل من المعاناة مع الإرهاب

عناصر حركة حسم الإرهابية (أرشيفية)
عناصر حركة حسم الإرهابية (أرشيفية)
مع إعلان الأمن المصري أن المسؤولين الرئيسيين في قضية تفجير مستشفى الأورام في القاهرة ينتمون إلى محافظة الفيوم الواقعة إلى الجنوب الغربي من القاهرة، يستعرض 24، تاريخ هذه المحافظة التي تحولت جيوب معزولة منها إلى بيئة حاضنة للإرهاب، عقب تورط عدد من أبنائها في أعمال العنف المسلح الممنهج، من الثمانينيات القرن الماضي وحتى خلال المرحلة الراهنة، وذلك نتيجة لعدة أسباب أهمها:

خلايا نائمة

أولاً: تمركز عدد من الخلايا المتطرفة فكريا داخلها على مدار تاريخ طويل، لاسيما أنصار تيار السلفية الجهادية والتيار التكفيري.

غالبية هذه الخلايا غير ناشطة في العمل التنظيمي المسلحة، لكنها بحكم تشبعها بالأفكار المتطرفة، أصبحت مصدراً كامناً لنشر سمومها وخبثها بين أوساط الشباب والأجيال الجديدة التي تمثل الجيل الخامس والسادس من أبناء الجماعات الإرهابية.

تغلغل الإخوان
ثانياً: قدرة جماعة الإخوان على التغلغل والهيمنة على بعض العائلات داخل قرى محافظة الفيوم على مدار سنوات طوال، مكنتها من تفريخ عدد كبير من الأجيال العمرية المختلفة داخل جدرانها التنظيمية.
ما دفعهم إلى أن يكونوا وقوداً للعمليات الإرهابية التي ينفذها الجناح المسلح للإخوان ضد الدولة المصرية ومؤسساتها ورموزها، فانضم بعضهم لحركة حسم، وحركة لواء الثورة، وحركة العقاب الثوري.

مفتي الإرهاب
ثالثاً: كانت محافظة الفيوم بمثابة المقر الرسمي لمفتي الإرهاب والأب الروحي لجماعات العنف المسلح، الشيخ عمر عبدالرحمن، الذي تزوج منها وأقام فيها، وعمل خطيباً وإماماً لأحد مساجدها عقب تخرجه في كلية أصول الدين، في ستينات القرن الماضي، ومن على منبرها أفتى بتحريم صلاة الجنازة على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وتكفير الرئيس الراحل أنور السادات.

بدأ عبد الرحمن نشر أفكاره المتشددة في قرى الفيوم، وتشكلت حوله الكثير من دوائر المريدين الذين تشبعوا بأفكاره وآرائه، حتى انتقل فيما بعد ليعمل مدرساً بكلية أصول الدين بفرع جامعة الأزهر بأسيوط، بعد حصوله على الماجستير، وهناك ارتبط بعلاقات قوية مع قيادات الجماعة الإسلامية بمحافظات الصعيد.

ظل عبد الرحمن مرتبطاً بالفيوم ومساجدها، لاسيما القاء خطب الجمعة، وسط الحشود من اتباعه، رغم انتقاله للعمل بأسيوط، وتزامن ذلك مع نشاط ملحوظ لأعمال العنف لاتباعه.

وفي مارس(آذار) 1989، قررت نقابة المهن الزراعية، بمحافظة الفيوم، عرض مسرحية "أصل وخمسة"، التي استفزت مجموعات "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، الموالية للجماعة الإسلامية، وحاولوا منع العرض بقوة السلاح، والقوا قنابل المولوتوف، على سرادق العرض، وأصابوا ضابطاً برتبه مقدم، وعدداً من المواطنين. وتم على أثر العملية ضبط 16 من أتباعه وبحوزتهم أسلحة نارية، وقررت النيابة حبسهم، ومنهم عمر عبد الرحمن بتهمة مقاومة السلطات واستغلال الدين في ترويج أفكار بقصد إثارة العنف وإحراز أسلحة نارية والشروع في قتل مأمور بندر الفيوم آنذاك.

وعقبها دارات الاشتباكات بين مجموعات "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، وقوات الأمن المصري، ما دفع قيادات الجماعة الإسلامية، بتحريك مظاهرة بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن، محملة بالأسلحة النارية، وتم القبض على بعضهم، وقدموا للمحاكمة، في قضية "أحداث شغب الفيوم"، لكنهم حصلوا على البراءة.

أعقب ذلك إلقاء زجاجتين حارقتين من قطار الفيوم، على رواد سينما عبد الحميد بميدان السواقي، ما تسبب في إصابة عدد من الرواد أثناء وقوفهم أمام شباك التذاكر، وتم ضبط الفاعل وهو من أتباعه بعد مطاردة مثيرة وهو نفس الشخص الذي قام فيما بعد بإلقاء عبوة ناسفة على حفل للمرضى بمستشفى الفيوم العام، ما تسبب في إصابة عدد منهم، كما كان هذا الإرهابي، من بين المتهمين فيما بعد في قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب، الدكتور رفعت المحجوب، وقد لقى مصرعه وآخرين من شركائه في مواجهة مع الشرطة بالقرب من أسوار جامعة القاهرة.

وتصاعدت أعمال العنف في محافظة الفيوم، بين مجموعات "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، الموالية للجماعة الإسلامية، وقوات الأمن المصري. وتحديداً في شهر يناير (كانون الثاني) 1990، بعدما انتشر فكر عمر عبد الرحمن، في كافة أرجاء المحافظة على يد طلابه، والتي بدأت بإطلاق عدد من أنصار عمر عبد الرحمن، النيران على قوات الشرطة، من أمام مسجد "الشهداء" بمصطفى حسن بالفيوم، وتبادلت قوات الشرطة إطلاق النيران معهم، ما أسفر عن إصابة سيف الإسلام مأمور قسم شرطة الفيوم، وقيام مجموعة أخرى بإشعال النيران في 3 صيدليات، وعدة منازل ودراجة بخارية للأقباط، وإلقاء عبوة ناسفة وإطلاق نيران على قوة تأمين "كنيسة العذراء"، بقرية سنهور القبلية التابعة لمركز سنورس عقب انطلاق مدفع الإفطار في شهر رمضان الكريم، ما أسفر عن استشهاد مساعد شرطة وإصابة اثنين من قوة الحراسة.

ومع تصاعد حادة المواجهات بين مجموعات "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، تم ضبط عمر عبد الرحمن، و15 من أتباعه، وبحوزتهم كمية كبيرة من الأسلحة النارية، وقررت النيابة حبسهم بتهمة مقاومة السلطات واستغلال الدين في ترويج العنف، وحيازة أسلحة نارية، والشروع في قتل مأمور قسم شرطة الفيوم آنذاك.
القاء القبض على الشيخ عمر عبد الرحمن، دفع عناصر الجماعة الإسلامية للتخطيط للقيام بأول ثورة إسلامية مسلحة في مصر، في عهد الرئيس الأسبق مبارك، إذ تجمهر الكثير من عناصر الجماعة الإسلامية، واشتبكوا مع قوات الأمن في داخل نطاق محافظة القاهرة، وعدد من محافظات الصعيد، تزامنا مع إقالة اللواء زكي بدر، وتعيين اللواء محمد عبد الحليم موسى، بديلا له.

وفي يوم عيد الشرطة 25 يناير (كانون الثاني) 1990، قامت الجماعة بمظاهرات لاستعراض القوة في عدة محافظات، وقاموا بالاستيلاء على ثلاثة مساجد كبرى في الفيوم، وأسيوط، والقاهرة، وأطلق بعض أعضائها النار في كل اتجاه، وكسروا واجهات المحلات وأصابوا مواطنين، ثم عرضوا مطالبهم السياسية، أثناء القاء الرئيس الأسبق مبارك، للخطاب السياسي في عيد الشرطة، وكانت مطالب الجماعة هي الآتي:

أولاً: الإفراج عن الشيخ عمر عبد الرحمن، وباقي أعضاء الجماعة الإسلامية المقبوض عليهم في المظاهرات، (بالأسلحة النارية).

ثانياً: تقديم اللواء زكي بدر للمحاكمة.
كان الشيخ عمر عبد الرحمن، أجرى حواراً من داخل السجن، مع صحيفة "الشعب"، الناطقة باسم التيارات الإسلامية في هذه المرحلة، قائلا: "إن الوزير الجديد ما هو إلا امتداد للقديم لأنهما ينفذان سياسة واحدة، وليس هناك مجال للتفاهم، أو الحوار مع الوزير إلا إذا عاد هو ورجاله إلى الحق".

كانت هذه التصريحات من أمير الجماعة الإسلامية، إيذاناً باستمرار المعركة بين الدولة وجماعات الإرهاب.
واستجاب النظام المصري، لمطالب الجماعة الإسلامية بالإفراج عن الشيخ عمر عبد الرحمن، وخلال تلك المرحلة، توسطت قيادات إخوانية، لدى وزير الداخلية آنذاك، اللواء عبدالحليم موسى، للقاء عمر عبدالرحمن، أمير الجماعة الإسلامية، وعقد "موسى" مع "عبدالرحمن" صفقة بموجبها يغادر الأخير البلاد، قبل الحكم عليه غيابياً في قضية "أحداث شغب الفيوم"، بعدما تقرر إعادة محاكمته، و48 آخرين في تلك القضية، بعد رفض الحاكم العسكري التصديق على حكم البراءة .

تقدم عبدالرحمن إلى السلطات المصرية، بطلب للسفر إلى المملكة العربية السعودية، لأداء مناسك العمرة، وأثناء استعداده لركوب الطائرة، أعلنت السلطات السعودية غلق مجالها الجوي أمام القادمين لأداء العمرة لانتهاء الموسم، وكان ذلك في 29 رمضان، غير أن السلطات المصرية رفضت عودته من المطار، وطلب منه ضباط مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية المصرية مغادرة البلاد، ليغادر من مطار القاهرة متوجها إلى السودان، واستقبلته السلطات السودانية التي رحبت به آنذاك، ومن خلالها وقبل نهاية 1991 سافر من الخرطوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً ولاية "نيويورك"، التي عمل فيها إماما لمسجد "الفاروق" في ضاحية "بروكلين" التابعة للولاية.

الشوقيون
رابعاً: كانت محافظة الفيوم مقرا لأفكار جماعة "الشوقيون"، التي أسسها شوقي الشيخ، الذي تنقل قبل دخوله السجن، بين عدد من الجماعات مثل جماعة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي انضم إليها وهو طالب في كلية الزراعة بجامعة حلوان في السبعينيات، مروراً بجماعة الجهاد، ثم الجماعة الإسلامية، ثم تنظيم الفرقة الناجية لأميرها مجدي الصفتي، وختاماً بجماعة "التوقّف والتبيّن"، المشهورة إعلامياً بجماعة "التكفير والهجرة".

قرّر شوقي الشيخ بعد خروجه من السجن المزج بين أفكار الجماعات التي احتك بها، فأسس جماعة "الشوقيون"، التي انتشرت دعوتها بين أبناء محافظة الفيوم.

وارتكز فكر التنظيم على تكفير الحاكم والمجتمع والدعوة إلى الخلافة الإسلامية بالقوة، وفق استراتيجية التغيير من أعلى، واعتبر "الشوقيون" أنفسهم في حالة حرب مع أهالي القرية الذين اتهموهم بالكفر، فالذي لا يتوافق معهم، من وجهة نظرهم هو "كافر مسالم" والذي يشتبك معهم هو "كافر محارب".

استطاع شوقي الشيخ، تحويل قرية كحك، إحدى قرى مركز يوسف الصديق، مقراً لتجنيد الكثير من الشباب، وتدريبهم على حمل السلاح، والتغلغل والسيطرة على عدد كبير من قرى محافظة الفيوم، لصناعة جيل يضعه في مواجهة مباشرة مع أجهزة الأمن بهدف إسقاط النظام المصري، وإعلان الخلافة الإسلامية، كما دخل "الشوقيون" في صراعات مع الجماعات الإسلامية الأخرى التي تختلف معهم فكريا، وكانوا يتهمون أي شخص خارج جماعتهم بالكفر، وارتكبوا العديد من جرائم القتل والحرق والسرقة لتمويل عمليات التنظيم.

خلال تلك الرحلة تملك شوقي الشيخ الشعور بالقوة والزهو، من أنه خليفة المسلمين، ما دفعه إلى أن إرسال برقية للرئيس مبارك تحت عنوان: "من والي كحك إلى والي مصر"، دعاه فيها إلى الإسلام أو القتال أو الجزية.
كانت تلك البرقية بداية النهاية لشوقي الشيخ، إذ كلفت الأجهزة الأمنية في نيسان (إبريل) 1990، العميد في القوات الخاصة، خيري طلعت، قائد قوات الأمن المركز لشمال الصعيد، ضمن قوّة تكوّنت من 30 مجموعة قتالية لمحاصرة القرية، وتمكنت من قتل الخليفة المزعوم، و14 من رفاقه، وفقاً لتصريحات طلعت لصحيفة "المصري اليوم"، في فبراير(شباط) 2017.

تعتبر جماعة "شوقى الشيخ" أو "الشوقيون"، هي البذرة الأصلية في تشكيل جماعة "التوحيد والجهاد"، داخل سيناء، والتي تحولت فيما بعد إلى جماعة "بيت المقدس"، وأصبحت فرعا لتنظيم داعش.

بعد وفاة قائد التنظيم، اشتدت وتيرة الصراع مع الأمن، وانتشرت موجة عنف واسعة في القرية، وكان للتنظيم السبق في ارتكاب أول عملية اغتيال لضباط بجهاز أمن الدولة عام 1991، اعقبها عملية فاشلة ضد مأمور سجن استقبال طرة المقدم محمد عوض عام 1992، مستخدمين القنابل اليدوية في عملياتهم الانتقامية في الفترة من 1990 حتى 1994، بمساعدة القيادي الجهادي نزية ضاحي.
ونجح رائد شرطة سابق يدعى حلمي هاشم، (المفتي الشرعي لتنظيم داعش حالياً)، في جمع شمل "الشوقيون" بعد مقتل قائد التنظيم، وسعى لتجنيد الشباب في التنظيم مستغلا كتيباته التي جمع فيها أفكاره وشروحاتها، ونشرها تحت اسم مستعار "شاكر نعمة الله"، إلى أن اكتشفت الشرطة أن أتباعه يحوزون كمية كبيرا من الأسلحة المتطورة، ليصدر أمر باعتقاله وأتباعه نهاية 1998.

تنظيم الوعد
خامساً: كانت محافظة الفيوم مقرا لعمليات تنظيم "الوعد"، الذي نشط سرا منذ عام 1996‏، وتم القبض على قياداته في 2001، ويعتبر أول تنظيم يعبر بشكل صريح عن تيار السلفية الجهادية.

أحيلت قضية تنظيم "الوعد"، إلى القضاء العسكري، وضمت‏ 94‏ متهما‏،‏ بينهم عناصر 13 عنصر أجنبي، مختصين في صناعة المتفجرات، وبعضهم لديه إجازة في الطيران المدني.

إذ استدعت قيادات تنظيم "الوعد"، خبير المتفجرات الداغستاني عمر حاجاييف مهدي، وإلحاقه بجامعة الأزهر؛ لتوفير غطاء شرعي لإقامته في القاهرة؛ ليعمل على تدريب عناصر التنظيم على صناعة المتفجرات عن بعد؛ لاستخدامها في مخططهم الذي تضمن اغتيال الرئيس المصري حينها حسني مبارك، وعدد من الشخصيات الدينية والسياسية، وتنفيذ هجمات ضد المباني الرسمية، مثل: مبنى الإذاعة والتلفزيون.

واتخذوا من أحدي المزارع الكائنة بمحافظة الفيوم مقر لتدريبهم على العمل المسلح، وقد كانت بين أحراز القضية كتب ومؤلفات سيد قطب.
T+ T T-