الخميس 19 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

الاستعداء في الثقافة العربية



دعونا نتحدث بصراحة، الناس في الغرب والشرق الأقصى لم يتفوقوا علينا فقط في مجال العلم الحديث، بل قد تفوقوا علينا أيضاً في مضمار الأخلاق وحسن التعامل.
جاء في عدد من كتب السِيَر أن شعبة بن الحجاج، أحد حفاظ الحديث النبوي، ركب بغلته وسافر من واسط إلى بغداد، فلقيه رجل يعرفه فقال له: يا أبا بسطام، إلى أين المسير؟ فقال شعبة: أسير إلى السلطان، "أستعديه" على سويد بن سعيد، فإنه قد روى حديث "من عشق فعفّ فمات فهو شهيد".

سويد بن سعيد هذا لم يكن من الزنادقة ولا من الكذابين، بل كان من رواة الحديث المشهورين ومن أناس مشهود لهم بالعلم والفضل وثناء علماء الجرح والتعديل عليه موجود في سيرته، وقد روى عنه مسلم بن الحجاج في كتابه المشهور باسم "صحيح مسلم" وهذا مؤشر قوي على أنه ثقة حافظ.

هل صح عن صاحب الرسالة مقولة "من عشق فعف فمات فهو شهيد"؟ هذه مسألة اجتهادية، فهذا الرجل الثقة قد رواه عن ثقات حدثوه، وفي كل الأحوال تبقى مثل هذه الروايات في مربع الظن، ولا يمكن أن تقوى فتصبح من الناحية المعرفية يقيناً حتى تتواتر وتشتهر، وهذا ما لم يحدث. لقد كان عند رواة الحديث نظاماً يستحق الإعجاب، وذلك عندما يضربون الروايات ببعضها، وحين يرفضون مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وحين يقررون أن هذا الراوي الثقة الصدوق لا يستطيع أن يحمل هذا النص أو ذاك لوحده، لأنه قد حمل خبراً قوياً كان من المفروض أن يستفيض ويشتهر لا أن يبقى حديث آحاد غريب.

لكن هل كانت تلك المعايير النقدية محكمة تماماً؟ أم أنها كانت بدورها مجرد اجتهاد؟ هل في المعقول أو المنقول ما ينفي الشهادة عمن عشق فعفّ فمات، تلك الشهادة التي أثبتت لمن مات غريقاً أو حريقاً، أم أن شعبة نفسه كان لديه موقف شخصي نفسي من قصص العشق؟ بالنسبة لي، أعتقد أن العامل النفسي موجود دائماً وأبداً، وكم من قصص العداوات التي غُلفت بإطار محبة الدين والغيرة عليه تبين لي بعد الحفر العميق أن وراءها عداوات وإهانات شخصية. غطرسة هيغل وإعجابه الشديد بنفسه بلا شك كان لهما دور في ردود شوبنهاور وفويرباخ عليه وكرههما له، وقد ورد أنه كان يتعامل معهما أو مع أحدهما، بتعالٍ شديد. التعامل المتعالي مع الآخرين هو نوع من الاستعداء لهم.

غير أن قصة شعبة مع سويد تُشير إلى نوع آخر من الاستعداء، نوع أخطر، إلا وهو استعداء السلطان على الخصم وسل سيف الدولة عليه، رغم أن سيف الدولة لها وليس لأحد. هذا كان موجوداً في كل تاريخنا ولا زال موجوداً اليوم، خصوصاً في اللحظات التاريخية الحاسمة عندما تتحول الدولة من مذهب إلى مذهب أو من مذهب إلى اللامذهبية، هنا يجد غير المستنيرين أخلاقياً فرصة لتصفية الحسابات والانتقام من خصومهم، لكن لطالما كان الحكام في ثقافتنا العربية أعقل ممن يحاولون سل سيف الدولة لتصفية حسابات شخصية. كيف يمكن أن نتجاوز ثقافة الاستعداء؟ سيكون هذا سهلاً للغاية، ونحن فعلا في لحظة تاريخية كبرى، عندما نؤسس لأخلاق جديدة يكون عمادها أن نرضى للآخرين ما نرضاه لأنفسنا فقط. هذا مبدأ عظيم، وهذه هي أخلاق الواجب التي أسس لها الفيلسوف الألماني إيمانويل كنْت في القرن الثامن عشر، وهي أخلاق تُخرج الإنسان من إطار الأنانية والهوى والخروج من عالم الطبيعة والحيوانية إلى عالم الحقيقة والحرية وهي أخلاق ضد الانتهازية والنفاق وتدعم السير نحو الكمال الإنساني. عندما نرسخ هذا المبدأ فسيخف الشر كثيراً. دعونا نتحدث بصراحة، الناس في الغرب والشرق الأقصى لم يتفوقوا علينا فقط في مجال العلم الحديث، بل قد تفوقوا علينا أيضاً في مضمار الأخلاق وحسن التعامل.
T+ T T-