الأحد 15 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

ثورة رجال العدالة في وجه أردوغان.. أبعاد ودلالات

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أرشيف)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أرشيف)
مع إعلان 41 نقابة للمحامين في جميع المدن التركية رفضها دعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان للمشاركة في حفل افتتاح السنة القضائية الجديدة المقرر عقده في 2 سبتمبر(أيلول) المقبل، بسبب تدخلاته في الجهاز القضائي، يرى العديد من المراقبين أن الخطوة جاءت بعد أن تزايدت مضايقة رجال القانون بصفة عامة، والمحامين بصورة خاصة، في ظل حكمه.

ويؤكد خبراء في الشأن التركي أن الخطوة قد تكون بداية لدق المسمار الأخير في نظام أردوغان بعد خسارته لأهم المدن التركية أمام المعارضة، وبداية توالي الانشقاقات عن حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه، وأخيراً ظهور ما يمكن أن يُطلق عليه مؤشرات ثورة جديدة لرجال القانون رافضة لتصرفاته وتدخلاته المستمرة في أمور القضاء والمحاكم، وزجه بآلاف الأبرياء وراء القضبان بتهم ملفقة بسبب معارضتهم لنظامه.



تدخلات في القضاء
لطالما كذب أردوغان بعدم تدخله في عمل المؤسسة القضائية، عندما صرّح بأن المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموم تأخروا في اتخاذ قرار بخصوص القضاة الذين أصدروا قرار الإفراج عن صحفيين وقيادات أمنية أمس السبت، وهو ما اعتبره مراقبون تدخلاً سافراً وتعليمات مباشرة لمجلس القضاة.

وأدلى الرئيس التركي بتصريحات مثيرة للانتباه تشكل خروجاً صارخاً على قواعد دولة القانون، تتعلق بجلسة المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموم بشأن القضاة الذين أصدروا قرارات الإفراج لتتم إقالتهم بعد هذه التصريحات.

وكانت دوائر الصلح والجزاء التي شكلت بالمحاكم بعد الكشف عن فضائح الفساد والرشوة الكبرى من جانب أردوغان قد أعادت أول أمس الجمعة، قرار الإفراج عن المعتقلين إلى الدائرة 32 في محكمة الجنايات بمدينة إسطنبول، مطالبة إياها بإعادة النظر في قرارها.

وسخرت الأوساط القانونية والسياسية في البلاد من هذا القرار، لأن المدعي العام ليس من صلاحياته طلب شيء من هذا القبيل من المحكمة، واعتبرته فضيحة كبيرة، ويرى مراقبون أن أردوغان لا يستطيع إخفاء رغبته الجامحة في تطويع القضاء لخدمة مصالحه الشخصية بعيداً عن أي استقلالية للمؤسسة القضائية.



ثورة القضاة والمحامين
أكدت العديد من نقابات المحامين التركية أمس، أنها سوف تقاطع مراسم قضائية احتفالية تقام الشهر المقبل في القصر الرئاسي في أنقرة، نتيجة لغياب وتدهور حالة الحريات وحقوق الإنسان، وسيطرة الرئيس رجب طيب أردوغان المباشرة على القضاء.

وجاء الرفض الأول الخميس الماضي، من جانب نقابة المحامين في إزمير ومن حينها انضمت 10 نقابات أخرى للمقاطعة، وجاء في بيان نقابة إزمير الموجه لرئيس المحكمة: "من المحتمل أن تتحدث في الخطاب الذي ستلقيه هناك عن استقلال القضاء وحيادته، ورغم أنك تعلم أن الآلاف من الأشخاص الذين يكافحون من أجل الحقوق قابعون في السجون، سوف تتحدث عن الحريات الشخصية والسلامة وحرية التعبير والحق في محاكمات عادلة وحرية الصحافة".

وهناك محامون وقضاة بين الآلاف ممن عُزلوا من مناصبهم أو اعتقلوا بموجب حالة الطوارئ في تركيا التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.

ويشار إلى أن أردوغان، لديه صلاحيات كاسحة تشمل نفوذاً أكبر على القضاء، ويمكنه اختيار أعضاء مجلس القضاة والمدعين المسؤول عن تعيين القضاة والمدعين.



تراجع الثقة
بعدما حظي الرئيس التركي بترحيب واسع النطاق على الإصلاحات القضائية التي قام بإجرائها في بداية حكمه، وبعد مرور ما يقرب من عقدين فإن أوضاع القضاء في تركيا تمر بأزمة تقيد حياة المواطنين، ما أدى إلى تراجع ثقة الجماهير في العدالة بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل.

ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، يقول معارضو أردوغان إن "أسلوبه الاستبدادي في الإدارة والمحسوبية داخل الحزب الحاكم، يقوض الثقة والأداء في جميع أنحاء القطاع العام في تركيا، من اقتصاد وتعليم وعمل".

وكما قال خبراء قانونيون إن "عمليات التطهير المستمرة، وممارسات استنزاف العقول أفسدت القضاء، وأصيب هؤلاء القضاة الذين ما زالوا في وظائفهم بالشلل بسبب مناخ الخوف".



القضاء يفقد استقلاله
ومن جهته، قال عمر فاروق أميناج أوغلو، وهو قاضٍ سابق، ومدعٍ في محكمة الاستئناف: "بما أن القضاء قد فقد استقلاله تماماً، فقد أصبح قوة وسلاحاً للحكومة السياسية، إذ لا يعتبر هذا التطور لمشكلة في تركيا اندلعت في ليلة وضحاها وإنما هي مشكلة وصلت إلى ذروتها في ظل هذه الحكومة".

وأضاف "لم تكن السجون أبداً أكثر ازدحاماً، فقد ارتفعت أعداد المعتقلين في عهد أردوغان، في حين أن نظام المحاكم يعاني من الضعف المشترك للقضاة عديمي الخبرة واليد الثقيلة للسيطرة الحكومية"، وذكر أنه تم تطهير حوالي 4 آلاف قاض في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، وتم استبدالهم على عجل بموالين لأردوغان، في كثير من الأحيان، وبعضهم بالكاد تخرج للتو في الجامعة.

وبدوره، أوضح رئيس اتحاد نقابات المحامين في تركيا متين فيزي أوغلو، أن متوسط مستوى الخبرة للهيئة القضائية برمتها، والتي يبلغ قوامها 14 ألف قاضٍ، هو مجرد عامين ونصف من ممارسة القانون، وأضاف أن "العديد من القضاة غير القادرين أو غير المتأكدين من كيفية التعامل مع القضايا، يقومون بإحالة قضاياهم إلى محاكم الاستئناف، التي تتكدس فيها تلك القضايا".



إخضاع المحاكم
وعلى الرغم من أن أردوغان قد ضمّن علانية وجود سلطة قضائية مستقلة، فإن منتقديه يتهمونه بالعمل على إخضاع المحاكم، ولعل أهم مثال على ذلك هو مجلس القضاة والمدعين العامين، وهو أقوى هيئة قضائية في البلاد، وهو الذي يقوم بتعيين وعزل القضاة، ويطبق التدابير التأديبية وينتخب القضاة في المحكمة العليا.

وقال اختصاصيون قانونيون إن "المجلس في قبضة أردوغان بشكل أساسي منذ استفتاء عام 2017، الذي وسّع سلطات الرئاسة ومنحه سيطرة فعلية عليه".

ولكن أردوغان نفَّذ أيضاً عملية تطهير داخلي للعاملين، لإعادة النظر فيما اعتبره هو ومؤيدوه الإسلاميون، سنوات من الحرمان من الحقوق على أيدي هياكل الدولة العلمانية إلى حد كبير، التي رفضت العمل معه حتى بعد أن أصبح رئيساً للوزراء.



سجون مكدسة
وفي سياق متصل، ذكر مدير مركز أبحاث سياسية محمد علي كولات، أن عدد نزلاء السجون ارتفع إلى 272 ألف أي 5 أضعاف عددهم الذي كانوا عليه، عندما جاء حزب الحرية والعدالة إلى السلطة قبل 17 عاماً.

وقال إن "ما لا يقل عن 15 مليون مواطن تركي محاصرون في عملية العدالة الجنائية، كشهود أو مدعى عليهم، حيث يجري النظر في 7.5 مليون قضية جنائية"، مضيفاً أن "الانتهاء من القضايا يتخطى 16 ضعف الوقت الذي تستغرقه في الولايات المتحدة".

وأشار إلى أن قلة خبرة القضاة، وحقيقة أن الكثيرين منهم مدينون بوظائفهم لحزب أردوغان، فإنهم أكثر عرضة لضغوط الحكومة.


ومنذ ظهرت تحقيقات فساد استهدفت الدائرة المقربة من أردوغان، جرت إقالة أو نقل مئات من القضاة وممثلي الادعاء وآلاف من ضباط الشرطة، وكما أسقطت محاكم دعاوى ضد المتهمين بالكسب غير المشروع.

فبعد وضع أردوغان يده على القضاء لترهيب كل من تسول له نفسه الحديث عن فضيحة الفساد، بات يواجه انتقادات حادة لتدخله المستمر في عمل الأجهزة القضائية واحتكاره السلطة بطريقة تغيب فيها الاستقلالية لدى مراكز القرار في تركيا.

ويبدو أن أردوغان يعيش أسوأ أيامه، خاصة مع بدء احتجاج رجال القانون الرافضين لتدخله الفج في مجريات العدالة، مع تزايد الانشقاقات من حزب العدالة والتنمية، وتخلي الناخب التركي عن مشروع أردوغان في أهم معاقله الانتخابية، فضلاً عن توالي الرفض الشعبي والعزلة الدولية المحيطة به.
T+ T T-