السبت 21 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

فرج والوزير

قرج الصقور أمام وزير الصحة سعد جاير .(أرشيف)
قرج الصقور أمام وزير الصحة سعد جاير .(أرشيف)


لم يخسر وزير الصحة الأردني بل تحول إلى نموذج ينطبق عليه المثل القائل "الاعتراف بالخطأ فضيلة"، فيما تكرس "فرج" في ذهن وضمير الأردنيين إلى "بطل"
كانت المرة الأولى التي يقف فيها أمام وزير ولكنه ليس وزيراً عادياً، إنه وزير الصحة المسؤول عنه وعن المستشفى الذي يعمل فيه.

اعتقد فرج الصقور "فني المختبر" في مستشفى أبي عبيدة في الشونة الشمالية في غور الاردن أنها فرصته الذهبية والتي لن تتكرر ليتحدث ويعبر عما يعتقد أنه يخدم المصلحة العامة، وكان يساوره الأمل والتفاؤل بأن ما سيقوله أمام الوزير من مقترحات بشأن مختبر المستشفى المتهالك سيكون بمثابة رصيد له، وربما يلفت انتباه الوزير له وينال على أثره ترقية ما أو مكافأة معينة بسبب حرصه، وبحكم حماسه هذا. ولكن ولجهله "ببروتوكولات التعامل مع أصحاب المعالي اندفع فرج وأخذ يتحدث مبدياً رأيه في "قضايا المختبر والمستشفى" بدون إذن مسبق من الوزير ومن مدير المستشفى أو رئيس القسم، ففرج مواطن بسيط لم يتعلم أن يقيم وزناً للتراتبية في المناصب التي احترفها أبناء المدن ولا النفاق لها، فقد تعلم في بيئته البسيطة والعشائرية أن "الرجل" هو من يقول كلمة الحق في وقتها ومكانها وإلا سيفقد قيمة تلك الرجولة.

قال فرج أمام الوزير سعد جابر: ".. زار المستشفى معالي الوزير ثلاثة وزراء قبلك، وبقي واقعها كما هو عليه، حيث أن المختبر يشبه مطابخ البيوت في الثمانينيات، كما أن بنك الدم غير صحي". هذه الجملة استفزت الوزير وأوحت له خطأ أن فرج يقصد بكلامه: لن تفعل شيئاً فأنت كمن سبقوك!!
كان "فرج الصقور" يتوقع أي شيء إلا غضب الوزير منه ومعاقبته بالايعاز لمدير المستشفى بنقله من الشونة الشمالية إلى حدود رويشد مع العراق أي إبعاده قرابة 220 كلومتراً بعيداً عن أهله وقريته.

تسرب خبر "فرج وغضب الوزير منه" إلى وسائل التواصل الاجتماعي وسرعان ما تحول هذا الخبر إلى قضية رأي عام بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وبدأ التحشيد على عدد من "الغروبات" التي بدأت بإدانة قرار الوزير وانتهت بالدعوة إلى استقالته ومطالبة رئيس الوزراء عمر الرزاز باقالة الوزير ووقف قراره التعسفي. وخلال ساعات قليلة اتخذ الوزير قراراً بالغاء قرار نقل فرج.

كان استحضاري لهذه الواقعة التي حدثت قبل أيام في الأردن من أجل تسليط الضوء على عدة نقاط مهمة في مجتمع "ما بعد العولمة" وهو اصطلاح قد لا يوافقني عليه الكثيرون ولكني أرى أنه يعبر تماماً عن الفعل "الديناميكي" للمجتمع الذي باتت تحركه وسائل التواصل الاجتماعي. فوسائل التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها لم تعد وسائل ترفيه ولهو وإضاعة للوقت، بل تحولت إلى "قوة خفية ناعمة ولكنها عظيمة وجبارة"، وفي حادثة "فرج والوزير" تم استخلاص عدة نقاط ومن أبرزها:

إن الاعلام لم يفقد دوره و لا سلطته ولا سطوته غير أن هذه السلطة انتقلت من الإعلام التقليدي وتحديداً الصحافة الورقية إلى الإعلام البديل والمتمثل "بالسوشيل ميديا"، وأن هذا "العالم الجديد نجح في صنع الانفتاح الحقيقيوالمكاشفة، وأنهى زمن "الظلام المعلوماتي" أو "سري للغاية"، وبات المجتمع أصغر من قرية صغيرة، بل بات غرفة في شقة صغيرة.

والأهم أن هذا الإعلام أصبح معياراً للمجتمعات الحية في عالمنا الثالث، بمعنى أن المجتمع الذي يتفاعل مع هذا الإعلام هو مجتمع "حي" وقابل للتطور و"للدمقرطة"، والعكس صحيح، وفي حالة "فرج والوزير"، أستطيع القول إن المجتمع الأردني تطور بفعل هذا الإعلام الجديد على صعيد النقد السياسي والنقد بأنواعه وعلى صعيد أشكال التضامن الاجتماعي والدعم والمؤازرة بكل أنواعها.

لم يخسر وزير الصحة الأردني بل تحول إلى نموذج ينطبق عليه المثل القائل "الاعتراف بالخطأ فضيلة"، فيما تكرس "فرج" في ذهن وضمير الأردنيين إلى "بطل"، وتحولت الحالة برمتها إلى عنوان فخر لديناميكية المجتمع الاردني وحيويته الحضارية. 
T+ T T-