السبت 21 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

سرديات الزنوجة في الثقافة العربيّة المعاصرة

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


أفريقيا مصطلح جغرافيّ لاثقافيّ، وثمّة منطقتان ثقافيتان، لكلٍّ منهما تاريخ مختلف وتقاليد مختلفة، فمن ناحية يوجد شمال أفريقيا، ومن الناحية الأخرى يوجد ما يُسمى"أفريقيا الزنجية" أو"أفريقيا السوداء"
كانت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائيّ السودانيّ الطيب صالح هي الرواية العربيّة التي لفتت أنظار الأوساط النقدية العالميّة إلى تمثيلات الآخر(الأسود) في الرواية العربيّة المعاصرة وفي الرواية العالميّة. وبسبب أهمية هذه الرواية في مضمونها الثقافيّ وفي تقنياتها السردية فإنَّها حظيت بمقارنة عميقة من قبل المفكر الأمريكيّ الفلسطينيّ الأصل إدوارد سعيد، وذلك في كتابه "الثقافة والإمبرياليّة".

لقد قارن سعيد بين هذه الرواية وبين رواية عالميّة أخرى هي "قلب الظلام" للروائيّ البولنديّ البريطانيّ جوزيف كونراد. وقد شهدتْ الألفية الثالثة تدفقاً عربياًّ روائيّاً لافتاً لسرديات الزنوجة، ولا تخلو بعض الروايات من متخيّل تاريخيّ مُستوحى من حوادث تاريخيّة مرجعيّة حقيقيّة مثل رواية "كتيبة سوداء،2015" للروائيّ المصريّ محمد المنسي قنديل التي استوحاها من حادثة تاريخيّة حقيقيّة جاءت في كتاب "فيلق النخبة الأسود، كتيبة من المجندين المصريين السودانيين مع الجيش الفرنسيّ في المكسيك 1863_1867) للكاتبين ريتشارد هيل وبيتر هوج. وتسرد رواية "كتيبة سوداء" حكاية كتيبة مجموعة من العبيد السود الذين يُجبرون على المشاركة في الكتيبة الفرنسيّة المقاتلة في المكسيك، وتركز الرواية حوادثها السردية على مصير العبد الأسود "العاصي" الذي يتحدَّى النخّاس ثم يتحوَّل إلى قائد لمجموعته وتختاره الإمبراطورة الفرنسيّة في المكسيك حارسًا شخصيًا لها.

يُعد الباحث المصريّ علي شلش واحدًا من أبرز الباحثين العرب المشتغلين في مجال الدراسات الإفريقيّة الأدبيّة، وهذا الحقل بالذات من الحقول النادرة جدًا فيما يتعلق باشتغالات النقاد العرب المعاصرين. وهو حقل يتوفّر على درجة كبيرة من الصعوبة إذ يتطلب إتقان الباحث على الأقل اللغتين الفرنسيّة والإنكليزية مع إلمام ببعض اللغات الإفريقيّة المحليّة للعودة إلى دراسة الكتب في مظانها الرئيسية بعيدًا عن الترجمات التي قد تشوّه الأصل في كثير من الأحيان. وكتاب "الأدب الإفريقي" لعلي شلش رغم مرور أكثر من ربع قرن على إصداره(1993) إلا أنّه يظلّ من المراجع الأساسية للباحث الأدبيّ وللمشتغلين كذلك في مجال الأدب المقارن.

يعود اهتمام علي شلش بالأدب الإفريقيّ إلى عام 1957 عندما بدأ في متابعة مجلة Atlantic"" الثقافيّة الأمريكيّة. وكان العدد الذي تصفحه آنذاك يضمُّ مجموعة من القصائد والحكايات الشعبيّة والقصص القصيرة من غرب أفريقيا ولاسيّما نيجيريا. وقد جعل شلش هذه المجموعات الأدبيّة نواة لكتابه "من الأدب الأفريقيّ" الذي صدر في القاهرة في عام 1963 في وقت كانت فيه القاهرة تحتضن عددًا كبيرًا من المثقفين والمفكرين الأفارقة الذين كانوا يقودون معارك كبرى لتحرّر أوطانهم من الاستعمار.

كان ظهور تيار "الاستفراق"؛ أي العناية بالدراسات الإفريقيّة وكلّ ما يتصل بها قد بدأ محايثًا زمنيُا للاستشراق في القرن الثامن عشر، ولكنَّ الفارق بين هذين التيارين رغم نشأتهما الزمنية المشتركة في ظلَّ الاستعمار الأوروبيّ أنَّ نشأة "الاستفراق" لم يرافقها إنشاء مراكز وأقسام علمية متخصصة في الجامعات الأوروبيّة والأمريكيّة بخلاف الاستشراق. ورغم ذلك استطاع تيار"الاستفراق" منذ بداية القرن العشرين أن يفرض حضوره القوي جدًا في عدد كبير من كبريات الجامعات العالمّية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبعض الجامعات الأوروبية.

هناك إجماع بين جمهور المستفرقين على أنَّ المقصود بـ"الأدب الأفريقيّ" هو أدب المناطق التالية جنوبًا للصحراء الكبرى حتى التقاء القارة بالمحيط في أقصى الجنوب. وهناك إجماع كبير بين عند المستفرقين على أنَّ أفريقيا قارة تقسمها الصحراء الكبرى إلى قسمين مختلفين كلَّ الاختلاف: قسم يقع شمالها ويسمونه"أفريقيا العربيّة الإسلاميّة"، وآخر يقع جنوبها ويسمونه "أفريقيا جنوب الصحراء" أو "أفريقيا السوداء". ويلاحظ أنَّ تسمية القسم الأخير "أفريقيا السوداء" هي تسمية ذات حمولة سياسية استعمارية من خلال تشطير القارة إلى قسمين كبيرين متمايزين رغم أنَّ هذه الحدود والتخوم هي وهمية للغاية؛ فالصحراء الكبرى لم تكن فاصلا ً بين قسمي القارة، كما أنَّ أفريقيا السوداء التي أسماها المستعربون الأوروبيون هي في الأساس في جزء كبير منها كانت إفريقيا إسلاميّة في العصور الوسطى.

في عام 1967 علق المستفرق الألمانيّ يان هاينز يان على هذه القضية بقول: "أفريقيا مصطلح جغرافيّ لا ثقافيّ، وثمّة منطقتان ثقافيتان، لكلٍّ منهما تاريخ مختلف وتقاليد مختلفة، فمن ناحية يوجد شمال أفريقيا، ومن الناحية الأخرى يوجد ما يُسمى "أفريقيا الزنجية" أو "أفريقيا السوداء" أو "أفريقيا غير الإسلاميّة" أو " أفريقيا جنوب الصحراء". وقد كان بين شعوب هاتين المنطقتين جميع أنواع العلاقات على امتداد آلاف السنين، ولكن بقيت الاختلافات بينهما كما هي، فشمال أفريقيا اليوم جزء من المنطقة الثقافيّة الإسلاميّة التي انتشرت من السودان، وهي منطقة ذات ثقافة مختلفة، حيث أنتجت الاثنتان طائفة متنوعة من أشكال التهجين. أمَّا المنطقة الأخرى فليس لها اسم، وذلك لأنَّ أفريقيا السوداء أو الزنجية من تعبيرات الجغرافيا العنصرية، لأنَّه يتضمن فكرة التطابق بين الثقافة العرق Race، فضلاً عن أنَّ الثقافة "الإفريقية الزنوجية "و"إفريقيا الزنجيّة" لم تتطابقا طوال قرون".

بقراءة كتاب "الأدب الإفريقيّ" لعلي شلش نستطيع الوصول إلى فهم أكبر وأعمق لأفريقيا في جوهرها الحقيقي. تناول علي شلش في هذا الكتاب الشعر والمسرحية والرواية والقصة القصيرة وجميعها أنواع أدبيّة على درجة عالية من الأهمية، وتستحق القراءة. وأخيرًا أقول إنَّ دراسات "الاستفراق" تتوفر على درجة عالية من الأهمية في المنطقة العربيّة نظرًا إلى الجوار الجغرافيّ والثقافي وعمق الصلات التاريخيّة وقدمها مع إفريقيا. إنَّ دراسات "الاستفراق" وتأثيرها في الثقافة العربيّة المعاصرة من الموضوعات التي تحتاج إلى مقاربات أكاديميّة رصينة توفّر مرجعيات أساسية لصُناع القرار السياسيّ والثقافيّ في المنطقة العربيّة.

T+ T T-