الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

انبهاراً بجمالها.. معماريون يخوضون معركة لإنقاذ "الفاطمية"

منطقة الدرب الأحمر في القاهرة. (أرشيف)
منطقة الدرب الأحمر في القاهرة. (أرشيف)
كان علاء الحبشي يبحث عن مستلزمات للعيد بمنطقة الدرب الأحمر فيما مضى، عندما وجد مبنى أثرياً يعود تاريخه للحقبة العثمانية، يُستخدم مجزراً ومحلاً لقصاب في الحي الواقع بالقاهرة الفاطمية.

وقال الحبشي متخصص ترميم الآثار الإسلامية، الحاصل على تدريب في الولايات المتحدة عن المنزل الذي سبق أن شاهده قبل أكثر من عشرين عاماً، "هذه المنطقة تحتوي على الأقل على 60 بيت تاريخي تم هدمهم واستبدالهم بعمارات تفوق ارتفاعاتها الارتفاعات المسموحة".
 
والمنزل الأثري، أو القصر، مُشيد من القرميد والحجر وبه فناء داخلي ضخم وعدد من الغرف، ومسقوف بالخشب المزخرف بشكل جمالي رائع.

وأقام الحبشي علاقة صداقة مع القصاب، الذي يملك المبنى، وتلقى اتصالاً هاتفياً منه بعد عدة سنوات يبلغه أن مطوراً عقارياً يرغب في شراء القصر وهدمه، ولإصراره على إنقاذ المبنى اشتراه الحبشي في عام 2009 لكنه أُبلغ أن بوسعه هدمه وليس ترميمه.

ورفض الاستسلام حتى حصل، بعد معركة قضائية استمرت عامين، على الحق في ترميم المنزل.

وعن ذلك يقول "مع كل مبنى يقع حولنا، مبنى تاريخي يقع، قلبي بينقبض وروحي تحبط، ولكن علينا ألا نبكي على اللبن المسكوب، بل بث طاقة إيجابية ومجاولة الحفاظ على الباقي من هذه البيوت، والمحاولات  كثيرة، منها مثلاً نحاول تسجيل هذه البيوت للحماية".

وبعد عشر سنوات من شرائه المبنى اكتملت تقريباً عملية ترميمه.

بذرة أمل
وما معركة الحبشي إلا جزء من معركة أكبر لإنقاذ مبان قديمة يخشى محترفو ترميم ومهندسون معماريون أن تختفي بسبب البيروقراطية والفساد الرسمي، والقوانين التي يقولون إنها لا تتضمن ما يوفر الحماية للتراث المعماري المصري.

وأضاف الحبشي "الحقيقة لا يوجد بيت تاريخي إلا وهو مُهدد أو آيل للسقوط، علينا نحن أن نحافظ عليه ونرممه ونعيد تأهيله في سياق معاصر، أرى بذرة أمل صغيرة".

وترى مي الإبراشي التي تعمل في ترميم المباني بالقاهرة التاريخية منذ نحو 25 عاماً أن ما سينجو من المباني يُقدر بنحو 25 % فقط.

ولم يرد مسؤولون حكوميون على طلبات متكررة للتعليق على ذلك.

يونسكو
وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) القاهرة الفاطمية، التي تُقدر مساحتها بنحو خمسة كيلومترات مربعة وتضم واحدة من أكبر مجموعات العمارة الإسلامية في العالم، في قائمتها لمواقع التراث الثقافي العالمي.

وعلى الرغم من أن الآثار الرئيسية بها غير مُهددة فإن العديد من القصور والمباني الصغيرة بها تتعرض للهدم.

وفي محاولة منهم لتفادي تحميلهم المسؤولية القانونية عن أي مشكلات، أعلن مفتشو الحكومة أن العديد من المباني التي يعود تاريخ بنائها لقرون مضت عُرضة لخطر الانهيار منذ زلزالي 1992 و2005.

وهُدمت كثير من تلك المباني لتحل محلها بنايات أسمنتية مرتفعة يصفها منتقدوها بأنها مبهرجة، وتتناقض عمليات الهدم هذه فيما يبدو مع تعهدات مسؤولي الحكومة بالحفاظ على دور القاهرة كعاصمة ثقافية وسياحية وتراثية لمصر، على الرغم من العمل في بناء عاصمة إدارية جديدة شرقي المدينة لتخفيف الضغط عن المدينة التي يقطنها زهاء 20 مليون نسمة.

كابوس بيروقراطي
ويقول من يناضلون لإنقاذ المباني القديمة في القاهرة التاريخية إن عمليات الهدم تقضي على تدفق محتمل للسائحين وعائدات السياحة التي أدخلت 11.6 مليار دولار للخزانة المصرية في 2018، حسب أرقام للبنك المركزي.

وبدأ الكابوس البيروقراطي للحبشي عندما تقدم بطلب للحصول على تصريح لبدء ترميم المنزل، أو القصر، بعد فترة وجيزة من شرائه.

ويوضح المتخصص في ترميم الآثار الإسلامية أن الحكومة ردت على طلبه بأن البيت مُسجل باعتباره على شفا الانهيار وأنه لو كان راغباً في العمل بالموقع فعليه أن يهدمه ثم يعيد بناءه.

وناشد الحبشي جهتين حكوميتين هما هيئة الآثار، المسؤولة عن نحو 600 أثر تاريخي، والجهاز القومي للتنسيق الحضاري المُكلف بالحفاظ على كثير من المباني الأخرى.

وقال إن مفتشين من كل جهة منهما جاءوا بشكل منفصل لمعاينة منزله، وأضاف "الحقيقة البيوت التاريخية كلها غير المحمية، لا من الآثار ولا من التنسيق الحضاري، كلها تعتبر آيلة للسقوط، ولرفع هذا القرار أمر صعب جدا جداً، يطلبون إثبات قيمة المكان وثمنه، لكن القيمة التاريخية والقيمة الفنية حتى تقدر فعلاً، عليك أنت كجهة مسؤولة أن ترفع إن صفة آيلة للسقوط من عليه".

وبعد حصوله على خطاب رسمي من اليونسكو، يؤكد الأهمية التاريخية للمبنى، استطاع الحبشي في 2011 الحصول على حُكم قضائي يتيح له ترميم المبنى.

ما بعد 2011
وقال أجنبي يعمل في ترميم المباني، درس منطقة الدرب الأحمر التاريخي في القاهرة والذي يقع معظمه في أسوار المدينة القديمة، إن تدمير المباني القديمة جرى على نطاق واسع منذ عام 2011.

وأضاف "تحليلي هو أن ما يقرب من 15 % من المباني القديمة في الدرب الأحمر تم استبدالها ببنايات أعلى شُيدت حديثا بارتفاع من 7 إلى 10 طوابق"، ولا تتوفر إحصاءات رسمية بخصوص ذلك.

ويقول المهندس المعماري طارق المُري، الذي له خبرة تمتد لسنوات في العمل بالمنطقة، إنه تم استبدال ما يقرب من 100 مبنى تاريخي في الدرب الأحمر بمباني شاهقة مع انهيار السلطة المركزية بعد انتفاضة 2011 التي أنهت حكم الرئيس حسني مبارك الذي استمر 30 عاماً.

قوانين ملتوية
وترى المؤرخة الفنية شهيرة محرز، التي اشترت مع ستة آخرين منزلين متهالكين أن القوانين الملتوية لضبط عمليات الإيجار هي التي أعاقت أعمال الترميم، وكانت شهيرة وزملاؤها يأملون في تحويل المنزلين لفندقين بهما متاجر لكنهم منعوا من أشخاص ادعوا أنهم مستأجرين لمناطق وحجرات في المنزلين.

ورغم ذلك أحبطت قوانين أخرى شريف عبد المجيد، وهو مطور فندقي اشترى منذ عام 2007 ثمانية منازل تاريخية في درب اللبانة قرب القلعة بالقاهرة.

وعندما تقدم بطلب للحصول على تصريح لترميمها، أبلغته السلطات أن أربعة منها صادر لها تصاريح هدم. وقال إنه من أجل ترميمها عليه أن يدخل بالواجهة مترا أو مترين تطبيقا لقانون صدر في خمسينيات القرن الماضي بهدف توسيع الشوارع.

ولم يفعل ذلك حيث تقدم بخطط لإعادة بناء المباني من الداخل مع الحفاظ على واجهاتها ولا يزال في انتظار رد السلطات.

وقال عبد المجيد "أنا جئت هنا في زيارة في 2006 ، أخذت أبنائي لأريهم تراثهم وأعرفهم على بلدهم وعلى مسجد السلطان حسن والمنطقة كلها، وحين وصلت لهذه المنطقة، أصابني وله، وأخذت أشتري، وكان هذا أول مكان تاريخي اشتريته".

وأضاف "نحن الآن نتواصل مع المحافظة لترك الواجهة وشأنها، وهدم الداخل وبنائه من جديد، لكن القرار الأول أن رخصة الهدم صدارة ويجب أن تُنفذ".

وتابع: "نحن نتحدث عن هذه المنطقة لأن أمرها غائب عن الكثيرين، أن هذا معمار أجدادنا، تراثنا، لدينا حي مميز جداً من المعمار الإسلامي، وعلينا حمايته".

T+ T T-