الأربعاء 18 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

هومبولت.. قصة الرحالة العظيم في ذكراه الـ250

المستكشف والعالم والكاتب الأماني الكبير، ألكسندر هومبولت.
المستكشف والعالم والكاتب الأماني الكبير، ألكسندر هومبولت.
هناك جبال سميت باسمه، وكذلك أنهار ومدن ومنتزهات، إنه العالم الألماني ألكسندر هومبولت الذي ولد عام 1769 وتوفي عام 1859، والذي عرف في حياته بالفعل على أنه أشهر العلماء على الإطلاق.

لقد وضع هذا الباحث والعالم الموسوعي لمساته بشكل لم يتسنى لغيره، على صورة العالم لدى الأجيال التالية، ولا تزال رؤيته للطبيعة في انسجامها مع التأثير البشري تحدد فهمنا للبيئة حتى الآن.

وعرفت جهود هذا العالم الألماني في كثير من المجالات المتعلقة بحماية البيئة، سواء التنوع البيولوجي أو حماية الموارد الطبيعية أو التغير المناخي.

وتحتفل الكثير من المؤسسات العلمية المرموقة بالذكرى الـ 250 لميلاد هومبولت، والتي تحل يوم السبت الموافق 14 سبتمبر (أيلول).

باحث الطبيعة الحضاري
ورغم مرور 250 عاماً على ميلاد هذا العالم العبقري إلا أن المعلومات التي توصل إليها لا تزال حاضرة الآن عن أي وقت مضى، "حيث إن تفكيره المتشابك يناسب عصرنا"، حسبما يرى أوتمار ايته، الخبير في حياة هومبولت، من جامعة بوتسدام الألمانية، مبرراً ذلك بأن هومبولت جمع بين الأمرين، بين باحث الطبيعة و الباحث الحضاري، ولا يزال حتى اليوم شخصية رئيسية في العلم، بدءً من أبحاث المناخ ووصولاً لعلم السلالات والأجناس.

كما يعتبر هومبولت "المكتشف الثاني لأمريكا"، بعد كريستوف كولومبوس.

على ظهر البغال
وكان هومبولت يقوم برحلاته البحثية عبر القارة الأمريكية في ظل متاعب لا تصدق، كان يسير على قدميه، أو يمتطي ظهر البغال أو في قارب بسيط، قاطعاً آلاف الكيلومترات بين الكاريبي والأنديز.

وقام مع رفيق دربه، عالم النبات الفرنسي إميه جاك بونبلاند (1858-1773) بالتجول في ثنايا الغابات المدارية في المنطقة التي تعرف اليوم بفنزويلا وكولومبيا.

وصعد هومبولت في المنطقة التي تعرف اليوم بالإكوادور بركان تشيمبوارازو، ووصل مع رفيقه بونبلاند، في حزيران (يونيو) 1802 لأعلى قمة وطأتها قدما إنسان آنذاك، وهي على ارتفاع 5917 متراً، وكان ذلك في ظل قلة الأكسجين والبرودة القارصة.

وكانت الناموسيات والخوف من الملاريا تمثل المشكلة الأصغر في رحلات هومبولت ورفيقه في الغابات المطيرة.

سم وتمساح وأم
ونجا هومبولت بأعجوبة عدة مرات من الموت بسم الكورار النباتي وعضات التماسيح.

ورغم أن هومبولت كان ابنا لضابط في القيصرية الألمانية، وكان يعيش حياة مرفهة ، إلا أنه فضل الانطلاق في هذه الرحلات الطويلة للكشف العلمي.

وحظي هومبولت بأفضل تربية يمكن أن تتوفر في ذلك الحين، مع شقيقه الأكبر فيلهلم، في قصر العائلة في برلين، حيث لا تزال ضيعة هومبولت موجودة حتى اليوم، وعرفت الأم بصرامتها، ولكنها كانت حريصة على أن يحصل الشقيقان على أفضل مدرسين خصوصيين.

لاحظ فيلهلم مبكراً وخلال جولاته مع شقيقه في الغابة بمنطقة تيجل في العاصمة الألمانية أن أخاه هومبولت كان قادراً على الربط بين مشاهداته المختلفة، "وكانت موهبة الربط هذه تميزه حتى نهاية حياته"، حسبما أوضح أوتمار ايته، مضيفاً: "وهو ما نسميه اليوم تداعي الأفكار أو التشابك".

تجارب على جسد
واستمر هومبولت في تطوير اهتمامه بالطبيعة أثناء دراسته اقتصاد الدولة في مدينة فرانكفورت أودر، شمال شرق ألمانيا، ثم دراسته فيما بعد بمدينة فرايبرج، كان يقوم بتجارب على جسمه، ويسجل جميع التفاصيل.

"كانت جروحه تلتهب، ولكنه كان سعيداً"، حسبما كتبت المؤرخة لسيرته، أندريا فولف.

وعندما كان يعمل مساعدا في التعدين، كان يقدم اقتراحات لتطوير التعدين، رغم أن عمره لم يكن يتجاوز 22 عاماً آنذاك، وكان من بين هذه الاقتراحات أيضاً مصباح جديد من نوعه للإضاءة في المناجم، ولكن الفضول العلمي وحب المغامرة دفعا هومبولد للانطلاق في العالم الفسيح.

حاول في البداية في لندن وباريس الحصول على فرصة للوصول للغابات المدارية على متن إحدى السفن، ولكن دون جدوى، وذلك نظراً للمخاطر التي كانت تمثلها حروب نابليون والقراصنة.

وفي النهاية أعطته إسبانيا تصريحاً بالسفر إلى الأندلس الجديدة، التي تعرف اليوم بفنزويلا، ولجأ هومبولت في تمويل رحلاته إلى إرثه من والدته المتوفاة.

مثل المجانين.. ضد الاسترقاق
وصل عالمنا على متن الفرقاطة "بيزارو" عام 1799 إلى كومانا، فنزويلا، على ساحل الكاريبي، حاملا معه حملا ثقيلا كان يضم أجهزة قياس وآلة السدس التي كانت تقيس الزوايا، ومقراباً وتلسكوب وساعة لقياس الأطوال وجهاز باروميتر وترمومتر.

وسرعان ما فتنته الطبيعة "وأصبحنا نهيم مثل المجانين حتى الآن"، حسبما كتب لأخيه فيلهلم، ولكن هناك حدث آخر خلف آثاراً عميقة لدى هومبولت، إنه سوق النخاسة في كومانا، حيث كان الإنسان "يباع ويشترى كما يحدث في سوق الخيول".

وهكذا أصبح هومبولت معارضاً حاسماً ضد الاسترقاق، "فالاسترقاق هو أشر الشرور التي حلت بالإنسان في تاريخه"، حسبما كتب في مقال له عن كوبا.

وظل هومبولت و وبونبلاند يتجولان على مدى خمس سنوات بين الكاريبي والأنديز، "أشعر بأني هنا وبأن هذه الانطباعات ستظل تروح عن نفسي مستقبلاً".

"وجنة عدن والدورادو، لقد سحرت الطبيعة وغزارتها العالمين"، حسبما كتب ايته، الذي تخصص في دراسة سيرة هومبولت.

حديث المدينة
وسلك طريقه وكأنه تحت تأثير السحر، من جران سابانا في فنزويلا وحتى المحيط الهادي، اكتشف هومبولت و بونبلاند العلاقة بين التيارين، أورينوكو وأمازوناس.

ووصف المستكشفان كيفية تحضير سم السهم كورار، وحددا خط الاستواء المغناطيسي وحددا زرقة السماء.

وقام هومبولت بخمس رحلات استكشافية إجمالاً أثناء إقامته في أمريكا، والتي استمرت خمس سنوات، ثم سافر إلى كوبا والمكسيك وبحث التيار البارد عند الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، والذي أصبح اليوم يحمل اسمه.

وأمر بشحن اكتشافاته إلى أوروبا، وكانت تملأ صناديق، كانت تتكون من عينات صخرية، ونباتات وحيوانات ومشاريع ثقافية، واستقبل استقبال النجوم عند عودته لألمانيا، وأصبحت محاضراته في برلين هي حديث المدينة.

"كتاب الكون".. انتقاده للاستعمار
ونشر الحقائق التي توصل إليها من خلال حملته الاستكشافية في أكثر من 30 مجلداً، وأصبح كتابه "الكون" من أفضل الكتب مبيعاً.

ورفض عروض الملك لتولي منصب وزير أو سفير، حيث إن ارتباطه بالبلاط الملكي سير الشبهات حوله كشخصية ليبرالية .

ولم يهنأ هومبولت بالراحة، وبدأ في وضع خطط لرحلة إلى الهند والهيملايا، ولكنه لم يستطع تحقيق الرحلة، حيث لم يسمح البريطانيون والبرتغاليون له بدخول ما يعدوه أراضيهم، بسبب انتقاده الاستعمار.

شاهد على الحركات الثورية
وفي برلين أصبح هومبولت عام 1848 شاهداً على الحركات الثورية في جميع أوروبا، ولكنه كان يتوق لألمانيا موحدة، رغم أنه ظل محباً لكل شعوب الأرض، وأصبح هومبولت عضوا في برلمان فرانكفورت (الجمعية الوطنية لفرانكفورت).

وعندما بدت في ربيع عام 1949 ملامح فشل الملكية الدستورية في ألمانيا، أصبح هومبولت أسيراً للإحباط.
وشهد هومبولت كيف اتجهت الثورة الفرنسية للمستبد نابليون، وراقب عن كثب كيف أصبح "المخلص" سيمون بوليفار، نفسه ديكتاتورا بعد حربه على المستعمرين الاسبان.

ورغم ذلك فإن هومبولت كتب في سن الثمانين يقول إن رغبة الإنسان في الإصلاحات لن تنطفأ.

ولكن لم يكن من السهل استيعاب هومبولت سياسياً، فعلى الرغم من أن النظام في ألمانيا الديمقراطية كان يحب توظيفه أيديولوجيا، إلا أن هومبولت لم ينسجم، ولحسن الحظ، كأحد السابقين إلى فكرة العولمة، مع السجالات القومية، حسبما أوضح ايته.

وفي الرابع عشر من سبتمبر عام 1869 احتفل الناس في جميع أنحاء العالم بعيد ميلاد هومبولت والذي يدين له شارلز داروين، عالم التاريخ الطبيعي والجيولوجي البريطاني، بمحفزات جوهرية، حيث وصف هومبولت بأنه "أكبر مسافر في سبيل البحث العلمي، عرفته البشرية على الإطلاق".

بل إن الملك فريدريش فيلهم الرابع، ملك بروسيا، لم يسعه سوى وصف الجمهوري هومبولت بأنه "أعظم إنسان منذ الطوفان".
T+ T T-