الأحد 20 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

ترابيزة نيتشه

الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (أرشيف)
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (أرشيف)


الوالد سيركب الموتوسيكل والعربة، والابن سيركب العجلة، لا مُفاجآت في سيرك برِلْوُّ
لا أعرف إن كانت الحكاية حقيقية، أو مُتخيَّلة، رأيتها رأي العين، أو سمعتها، فهي من زمن الطفولة. الحكاية عن رجل شديد الشُقْرة، يحمل دائماً صندوقاً مستطيلاً أشبه بحقيبة الفيولينا. وكان يضع في الصندوق لوحاً من الثلج، فإذا داهمته حرارة الشمس في تنقلاته، يفتح حقيبته، ويُخرج اللوح الثلجي، ويقيمه على أرضيَّة الصندوق، بحيث يسمح لأسفل ذقنه أن يحتضن الضلع الضيق من أضلاع المستطيل الثلجي كما يُبيِّت عازف الفيولينا إرتكازها تحت ذقنه.

يُحرِّك الرجل رأسه بتلذذ، لتبريد رقبته الحمراء. كان قومسيونجي سيارات. وكان يقطع حديثه مع الزبون، لإخراج اللوح الثلجي ثم يعود إلى الحديث. لأكثر من أربعين سنة، فكَّرتُ مراراً في تعقيدات من نوع، أن اللوح الثلجي سمح له بزيارات مُفاجئة، لبيوت أغلقتْ أبوابها ونوافذها هرباً من القيظ.

خرجنا في الظهيرة من نادي حلوان العام. دامتْ جلستنا تحت ظل شجرة ذقن الباشا، ساعتين ونصف الساعة. نسرين لامتْ نادية على أنها لم تبد رأياً كانتا قد اتفقتا عليه قبل الدردشة مع أحد أعضاء مجلس إدارة النادي. كنتُ أفكِّر في الغداء. بيننا وبين البيت نصف ساعة من المشي. نسرين تنخرط في النقاش، وتبتعد عن ظل صف الأشجار، فيصبح ثلاثتنا في ضوء الشمس الحامية.

أسحب نادية من مرفقها إلى جوار الرصيف، فتتبعها نسرين دون مُقاومة. مشينا تحت ظلال أشجار التين البنغالي المائلة قليلاً إلى خارج سور النادي. كانت ذراع نسرين شديدة البياض، تخرج أحياناً، وأثناء حديثها، إلى الضوء العالي ثم تعود إلى الظلال.

كانت نسرين مع قطع أشجار التين البنغالي الثلاث التي تقف حجر عثرة أمام مستطيل حمام السباحة الجديد. ونادية كانت تفضِّل توسيع حمام السباحة القديم. كنتُ أعمل بعقد مؤقت في النادي منذ سنتين، كمدرب لفريق السباحة. لولا ذهابنا مباشرة بعد جلسة ذقن الباشا إلى الغداء في بيت نادية، لما علقتُ في هذا الحديث. تجاوزنا في المشي ظلال أشجار التين الثلاث.

في بداية السبعينيات من القرن الماضي، كانت خيمة برِلْوُّ الطلياني أول خيمة يتم إعدادها في الأرض الخلاء بين العزبة البحرية والعزبة القبلية. ويبدو أن الاسم الإيطالي ناله الكثير من التطجين والتشويه في النطق العامي. كانت الوقفة على اللام كأنها وقفة على تبَّة عالية ثم تنحدر الوقفة انحداراً خشناً، لواو ثقيلة، وتشديد أثقل.

خيمة سيرك برِلْوُّ عبارة عن أسطوانة عملاقة من عروق الخشب الزان، أسفل جوف الأسطوانة يقف برِلْوُّ وابنه، وهناك العربة والموتوسيكل والعجلة، وأعلى فوهة الاسطوانة يقف المُشاهِدون.

الوالد سيركب الموتوسيكل والعربة، والابن سيركب العجلة، لا مُفاجآت في سيرك برِلْوُّ، العرض ثابت منذ سنوات. تنتصب خِيَم المولد الأخرى، خيمة سيرك الحلو للأسود، وخيمة المقامرة، وخيمة رقص شرقي، وخيمة ذِكْر، وهناك أيضاً مراجيح، وأرجوزات، وعربات حمص الشام، والترمس، والكشري. صعدنا حول الاسطوانة من الخارج. رفعتني والدتي، وأجلستني على كورنيش الاسطوانة الحديدي، وأفلتت ساقي من بين حديد الكورنيش، فأصبح حاجز الحديد في منتصف صدري، وأحاطتْ بطني بيدها السمينة.

رشقتْ خالتي فوزية قرطاس الترمس في تقويرة فستانها. كنتُ مشرفاً في جلسة ملوكي على فوهة الجحيم. أينعتْ الرؤوس على الكورنيش الحديدي، ودَلْدِلتْ جباهها، وانطلقتْ الزمجرات الأولى للموتوسيكل، زمجرات تشي بأن ارتفاعها سيكون مدوياً. كان مستر برِلْوُّ يلبس الحذاء أبو رقبة، ويضبط وضع الخوذة والنظَّارة على عينيه، والقفَّاز به شبابيك في باطن ومفاصل أصابعه، ويقبض به على مقود الموتوسيكل.

يدور الدائرة الأولى على الأرض الخشبية، تزداد السرعة، فيسرق اللحظات الحرجة على الحلقة، نصف المائلة بين الأرض والجدار، إلى أن يستلم الجدار الدائري، ويعلو موتور الموتوسيكل، وتهتز عروق الزان المرنة، وترتفع صيحات الإعجاب، والخوف والهستيريا، ورعشة حديد الكورنيش موصولة بصدري، وذراع والدتي يزداد إحكاماً حول بطني، وجسم مستر برِلْوُّ مشدود إلى الخلف من زاوية نظري.

استراحة. تضرب والدتي بالكوع جنب شقيقتها، وهي تنظر باستنكار متسامح إلى قرطاس الترمس المرشوق في صدرها. عربة برِلْوُّ الشبيهة بعربات السباق خَرَّمتْ الآذان، وأحالتْ الخيمة الاسطوانية إلى شُخْليلة. صرختْ خالتي بالصوت الحيَّاني بين أصوات، وكَلْبِشِتْ والدتي بيديها حول بطني، أمَّا عجلة ابن برِلْوُّ، فقد كانت نزهة رشاقة.

أسميتها ترابيزة نيتشه، أو زجاج الصدفة الرقَّاص. كانت ترابيزة لرمي الزهر على مُربَّع من الزجاج، يحوطه أربعة جدران من الخشب، بارتفاع يسمح بكبح جماح الزهر. كان التحكُّم في رمية الزهر مستحيلاً. في الأركان الأربعة يضع كل مقامر رهانه، ويبدأ صاحب الترابيزة، الواقف في منتصف ضلع من أضلاع المُربَّع الزجاجي، برمية البداية، الدو يك رقم خسارته الكبرى، ويعطي بسببها لكل ركن قيمة ما وُضع فيه، لكنه يرمي رمية البداية من جديد.

الشيش بيش رقم ربحه الأكبر، وبسببه يأخذ نقود الأركان الأربعة، ويبدأ من جديد. أي أرقام أخرى غير مزدوجة، الأعلى فيها هو الرابح، لكن الرقم المزدوج يربح أعلى رقم غير مزدوج، فيما عدا الشيش بيش، ويخضع الربح في الأرقام المزدوجة للأعلى، الدُرجي يربح الدوسة، والدوش يربح الدَبَش، لكن أيضاً الدوش لا يربح الشيش بيش، وبهذا تدور رمية الزهر على الأركان الأربعة، ويستعدل كل مقامر ورام للزهر، نفسه ليصبح في منتصف ضلع من أضلاع المُربَّع الزجاجي، ويستجيب المقامرون في الأركان الثلاثة، لحركة الإزاحة الآلية.

T+ T T-