الثلاثاء 22 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

الميليشيات.. خط الدفاع النهائي لإيران

على تضاريس هضبة الجولان، تشاهد الأعمدة الهوائية التي تحول المنطقة الجبلية إلى نقطة مراقبة إسرائيلية لجميع التحركات داخل الأراضي السوري، كما أنها تفيد لمراقبة التحركات الإيرانية وحلفائها على الضفة الثانية من الحدود.

ويشير تقرير لمجلة "ذي نيويوركر" الأمريكية أنه على مسافة كيلومتر واحد بعيداً من الحدود السورية، وتحديداً على هضبة "الفيل النائم"، أقام الحرس الثوري الإيراني في 2012، وبمشاركة ميليشيا حزب الله، مركزاً لمراقبة الإشارات الاستخباراتية من الداخل الإسرائيلي.



في 2015، حاولت إيران وميليشياتها إقامة نقاط عسكرية إضافية في أماكن قريبة ومتفرقة. أغارت إسرائيل على بعض الفرق الاستطلاعية، بمن فيهم التابعة للجنرال في الحرس الثوري محمد علي الله دادي وجهاد مغنية، ابن عماد مغنية الذي تدرب في إيران، وهو أول قائد عسكري لحزب الله.



وكما جرت العادة، تراجعت إيران مؤقتاً وأعادت تجميع صفوفها وعدلت من تكتيكاتها. وفي 2016، بدأ الحرس الثوري يشحن معدات تساعد على تحويل صواريخ قصيرة المدى إلى أخرى طويلة المدى، مجهزة بأنظمة توجيه دقيقة قادرة على ضرب الأهداف الاستراتيجية في إسرائيل، من شبكة الكهرباء إلى المطار أو حتى محطة لتحلية المياه.

وتعقيباً على تلك الأنباء، يؤكد الرئيس السابق لمنظمة "الدفاع الصاروخي" في إسرائيل عوزي روبين: "هذا ما يُسمى تغييراً في قواعد اللعبة. لقد حولوا سلاح الإرهاب إلى سلاح عسكري للحرب. سيحتاجون فقط إلى 200 من تلك الصواريخ لوقف قدرة إسرائيل على شن حروبها الخاصة".

ومع بداية 2018، كان الحرس الثوري انتشر في قرابة 40 منشأة عسكرية داخل سوريا، بمقراته وغرف عملياته الخاصة، مقيماً نقاطاً للطائرات المسيّرة، ومراكز للتدريب، ثلثها تم تجهيزهها لاستهداف إسرائيل، وليس فقط لمساعدة النظام السوري في الحرب الأهلية.



يشار إلى أنه منذ بداية 2017، شنت إسرائيل أكثر من 200 ضربة ضد أهداف إيرانية في سوريا، أحدثها كانت في أغسطس (آب) لاحتواء هذا التراكم العسكري.

يؤكد التقرير أن الإيرانيين يعملون على الحدود السورية بشكل خفي، معظم الوقت، مرتدين الزي العسكري السوري، وهو تكتيك للتخفي منذ أن توسطت روسيا في صفقة قبل عام لإبقاء أفراد وأسلحة إيران على بعد خمسة وثمانين كيلومتراً من الحدود. كما قاموا بتوظيف سكان في الجولان للعمل لصالحهم، كجزء من شبكة واسعة من الحلفاء المسلحين في سوريا، وليس جميعهم سوريون، فيما عمليات نقل الأسلحة مستمرة.



إن ما يسمى "محور المقاومة" التابع لإيران، يضم اليوم أكثر من 100 فصيل ميليشياوي شيعي، بات ممتداً في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط. وتمتد شبكة إيران داخل أكثر من 6 دول، وبات لديها المقدرة على التوازن الاستراتيجي للمنطقة بشكل جذري، بحيث لا يمكن لأي دولة مواجهة إيران وميليشياتها من دون المخاطرة بتحديات عسكرية متعددة، أو خسائر فادحة في الأرواح، أو أضرار جسيمة في بناها التحتية، أو الدخول في حالة عدم الاستقرار التي باتت منتشرة عبر دول أخرى. 

ويعتبر التقرير أنه من غير المرجح أن تفوز إيران بأي صراع عسكري، ولكن باستطاعتها أن تضمن بعدم تكمن دول أخرى من الفوز أيضاً، على الأقل ليس بالمعنى الكلاسيكي للنصر الحاسم. ويقول الرئيس السابق لتخطيط السياسة في وزارة الخارجية الإسرائيلية عيران عتصيون "إذا حاولت إسرائيل تدمير حليف إيران في لبنان، حزب الله، "سنكون قادرين على تدمير بيروت، لكنهم سيكونون قادرين على تدمير أجزاء من تل أبيب".

وينطبق المبدأ العام نفسه على الدول الأخرى التي قد تفكر بالقيام بعمل عسكري ضد إيران بعد هجوم 14 سبتمبر (أيلول) على موقعين سعوديين يعالجان أكثر من نصف إنتاج المملكة من النفط، حيث تهم إيران "برعاية" الهجوم على الأقل.



يمكن لإيران أن ترد أي ضربة على أراضيها عن طريق تحريك حلفائها في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، كما فعلت في الثمانينيات، عندما أقدم وكلاؤها على قصف سفارتين أمريكيتين وثكنات من قوات حفظ السلام من البحرية الأمريكية في لبنان، التي انتهت بإجبار إدارة الرئيس رونالد ريغان على سحب قواته.

أقدم وكيل لإيران وأكثرها تطوراً وأفضلها تسليحاً هو حزب الله اللبناني. إلا أن العراق يمتلك أكبر مجموعة من الميليشيات المدعومة إيرانية، وتحديداً أكثر من ستين. أما سوريا، فهي تستضيف مجموعة متزايدة من أمراء الحرب والعصابات والجماعات المسلحة التي تم تنظيمها في إيران وتم إنشاؤها أثناء فوضى الحرب الأهلية في البلاد. إيران تسلّح وتدرّب أيضاً المتمردين الحوثيين في اليمن، الذين زعموا تبني هجوم 14 سبتمبر (أيلول) على منشآت النفط السعودية، وحماس التي تحكم الضفة الغربية، والجهاد الإسلامي الفلسطيني أيضاً. ومن بين أحدث المليشيات التي تقودها إيران لواء الفاطميون من أفغانستان، والزينبيون من باكستان.



في العام المنصرم، خلصت استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية، وهي تصدر للمرة الأولى منذ عقد من الزمان، أن "إيران تتنافس مع جيرانها في الشرق الأوسط، وتثبت فكرة هلال النفوذ وعدم الاستقرار بينما تنافس من أجل الهيمنة الإقليمية باستخدام الأنشطة الإرهابية التي ترعاها الدولة عبر شبكة متنامية من الوكلاء، وبرنامج صاروخي".

الأمر البارز الذي تغير خلال السنوات الأخيرة هو المقدرة الإيرانية على توحيد الحلفاء والميليشيات الموالية لها ضمن شبكة يمكن أن تعمل على المستوى الإقليمي، حيث باتت تعمد طهران اليوم على تسهيل حركة مليشياتها لدعم حلفاء آخرين. الحرس الثوري سحب ميليشيات شيعية من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان للقتال في سوريا. في 2014، نقل الحرس الثوري عناصر الميليشيات من المناطق التي يهيمن عليها الشيعة في جنوب العراق إلى المناطق السنية في الشمال، لمحاربة داعش. وعززت فروعاً لحزب الله في العراق وسوريا ومنطقة الخليج العربي، وإن كان ذلك بفعالية مختلطة، بحيث "باتت بإمكان إيران توصيل النقاط بين لبنان وسوريا والعراق"، بحسب ما أفاد به مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية.



وفي إطار آخر، دخل حلفاء إيران في "محور المقاومة" إلى المجال السياسي أيضاً، وحولوا الحركات المسلحة إلى لاعبين أقوياء في الحكومات التي تقود البلدان. باتوا يستطيعون تغيير الأوضاع السياسية الراهنة في الشرق الأوسط. خرج حزب الله من تحت الأرض في 1992 للترشح للبرلمان اللبناني، الدولة العربية الأكثر قرباً من الدول الغربية. واليوم، لدى حزب الله مقاعد في البرلمان وأيضاً مناصب وزارية، والرئيس المسيحي الحالي هو حليف مختار. بحلول 2003، كانت إيران قد عمقت وجودها في العراق من خلال شبكة من الميليشيات الشيعية بقيادة عملاء مدربين في طهران. ومع 2014، اندمجت مجموعة واسعة من الميليشيات - مع عشرات الآلاف من المقاتلين - في ميليشيا الحشد الشعبي لمحاربة داعش بعد انهيار الجيش العراقي. وضعتهم حكومة بغداد على جدول الرواتب. في 2016، فصل البرلمان العراقي ميليشيا الحشد وجعلها ذراع مستقلة لقوات الأمن العراقية. في 2018، أقدم قياديون من الميليشيا على الترشح للبرلمان، وباتوا اليوم يشكلون واحدة من أقوى الكتل النيابية والتي كان لها دور رئيسي في اختيار آخر رئيس وزراء للعراق.

في اليمن، يعتبر الحوثيون تنظيماً ميليشيوياً، بعد أن سيطروا في 2015 على العاصمة صنعاء الحكومة منها، وباتوا اليوم يحكمون الجزء الأكبر من شمال البلاد. لقد تعمق دور إيران في تسليح الحوثيين وتدريبهم منذ أن طلبت الحكومة الشرعية قبل أربع سنوات الحصول على تدخل من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن صواريخ وطائرات إيرانية تم استخدامها في استهداف المنشآت السعودية. وتحت الوصاية الإيرانية أيضاً، استطاع حزب الله إنشاء فرع له في اليمن.



ويقول عالم سياسي في جامعة طهران ناصر هديان إن "إيران تشعر بالوحدة الإستراتيجية"، وأن تقوية الأقليات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة - سواء عبر تسليحها أو تمكينها سياسياً - هو خط الدفاع النهائي لإيران. والقاسم المشترك هو الحرس الثوري وقائدها الجنرال قاسم سليماني، لاعب كمال أجسام سابق تحول إلى قائد عسكري وأصبح لاحقاً محركاً استراتيجياً للدمى الإيرانية.

وبحسب تقرير نشره "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الأمريكي، فإن إيران قد تكون اليوم قادرة على الاعتماد على أكثر من 180.000 مسلح في الميليشيات المنتشرة في 6 بلدان مختلفة، لبنان وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان وباكستان، بزيادة 50 ألفاً منذ 2011.

ويلفت التقرير إلى أن الإرهاب الإيراني في الفترة الماضية ازداد وبات أكثر تعقيداً، 6 ناقلات نفط أجنبية تم تخريبها بالقرب من مضيق هرمز، طائرة مسيّرة أمريكية تم إسقاطها بعيداً من الساحل الإيراني، والآن هجوم كبير على المنشآت النفطية في السعودية.



في كل حادث، تكون إيران متهمة، إما مباشراً أو بشكل غير مباشر، ولكن لم يعد لطهران أي طريقة وإمكانية لإنكار المنطق المعقول.

وختم التقرير متسائلاً "إلى متى سيبقى الجولان - أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط - هادئاً وسط هذه التوترات المتصاعدة؟".
T+ T T-