الخميس 21 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

بين "نبع السلام" التركية و"سلامة الجليل" الإسرائيلية.. أوجه شبه واختلاف

دخان يتصاعد من موقع عسكري دمره الجيش الإسرائيلي قبل الانسحاب من لبنان عام 2000.(أرشيف)
دخان يتصاعد من موقع عسكري دمره الجيش الإسرائيلي قبل الانسحاب من لبنان عام 2000.(أرشيف)
عن المضاعفات التي يمكن أن تنجم عن إقامة تركيا منطقة آمنة في شرق الفرات بسوريا، رأى الكاتب آشر كوفمان في مجلة "فورين بوليسي" أن العملية العسكرية التي أطلقت عليها تركيا اسم "نبع السلام" في سوريا، أعادت إلى الأذهان الغزو الإسرائيلي للبنان الذي كان يشهد حرباً أهلية عام 1982 بهدف معلن هو تحقيق السلام وإيجاد منطقة عازلة.

هناك بعدا عالمي لا يمكن تركيا تجاهله، وهو أن عمليتها لا تحظى بدعم دولي كما كان الحال خلال الغزو الإسرائيلي للبنان
وقال إن الحرب في لبنان نتج عنها آلاف القتلى، وصعود حزب الله، وأدت إلى احتلال استمر 18 عاماً انتهى بعد حرب عصابات طويلة. والعمليتان الإسرائيلية والتركية حملتا اسمين مهدئين (العملية الإسرائيلية أطلق عليها سلامة الجليل)، لكن أبعد من تشابه الأسماء، فإن ثمة أموراً أخرى متشابهة يتعين على تركيا تقويم مضاعفاتها المحتملة في خضم حربها الحالية في شمال سوريا.

وذكّر بأن المنطقة العازلة في جنوب لبنان التي كان غرض إسرائيل من إنشائها حماية أراضيها، تحولت إلى قتال لحماية الجيش الإسرائيلي نفسه داخل هذه المنطقة. وصار الهدف الأولي الذي كان قائماً على ردع الهجمات الفلسطينية التي تنطلق من لبنان، شيئاً من الماضي. لكن تحولاً طرأ على النزاع، وأخفق الإسرائيليون في ملاحظة ذلك.

وباتت هذه المنطقة مصدر استنزاف اقتصادي وعسكري لإسرائيل. وفي النهاية خرجت إسرائيل من لبنان عام 2000، بينما استغل حزب الله النصر لتعزيز سلطاته في هذا البلد. وتفتت جيش لبنان الجنوبي الذي أنشاته إسرائيل وفرت عائلات عناصره.

المسألة الإنسانية ذريعة
واعتبر الكاتب أن التجربة الإسرائيلية في لبنان هي بمثابة دروس للغزو التركي لسوريا اليوم. وفي المقام الأول، يفترض أن الدول ستستخدم المسألة الإنسانية ذريعة من أجل تحقيق مصالحها. وفي الوضع اللبناني، برر المسؤولون الإسرائيليون الغزو في جزء منه بالرغبة في تقديم الدعم للمسيحيين الذين تم تصويرهم على أنهم أقلية مضطهدة في دولة يغلب عليها السكان المسلمون. وكذلك هو حال تركيا التي تغلف محاولتها لخلق المنطقة الآمنة بنوايا إنسانية، مثل إعادة توطين اللاجئين السوريين لديها في هذه المنطقة. وليست الحجة الإنسانية إلا تكتيكاً ديبلوماسياً يستخدم لحماية أنقرة من الانتقادات الصادرة عن العواصم الأوروبية.

وتذهب الطموحات التركية بحسب الكاتب إلى ما هو أبعد من إلغاء الإدارة الذاتية الكردية في سوريا وإبعاد الأكراد السوريين عن الحدود التركية بحيث تكون المنطقة الآمنة التي تدعيها أنقرة خالية ممن تسميهم "إرهابيين محتملين"، إذ أن الغزو يرمي إلى البعث برسالة ردع للأكراد في تركيا وهو مرتبط بالوطنية التركية التي يعززها الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أكثر من عقد، ساعياً إلى تصوير تركيا على أنها حامية للإسلام السني وإعادة توجيه طموحاتها الإقليمية شرقاً إلى الأراضي التي حكمتها يوماً الامبراطوية العثمانية.

لاجئون داخل أرضهم
وأضاف أن الذريعة الإنسانية ستسقط على الأرجح. وحتى لو تمت إعادة توطين اللاجئين السوريين-وهو أمر يصعب تصوره- فإن هؤلاء سيكونون عبارة عن لاجئين داخل أراضيهم لأن معظمهم لا ينتمون إلى هذا الجزء من البلاد. وليس من الواضح ما إذا كان أردوغان يخطط لتوطنيهم في قرى هجرها الأكراد أو أنه سيبني لهم مخيمات لجوء جديدة.

وعلى غرار الغزو الإسرائيلي للبنان، تخطط تركيا لإنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا، وسيلة لتحقيق أهدافها الطموحة. والميليشيات السورية التي تدعمها تلعب دوراً اساسياً في العملية العسكرية. والدافع الذي يحرك هذه الميليشيات هو كراهية الأكراد والحوافز المالية التي تقدمها أنقرة- لا المصالح التركية الاستراتيجية. وفي حال انسحبت تركيا من المنطقة الامنة، فإن هذه الميليشيات ستتعرض للانتقام من الأكراد. كما أن هناك بعداً عالمياً لا يمكن لتركيا تجاهله، وهو أن عمليتها لا تحظى بدعم دولي كما كان الحال خلال الغزو الإسرائيلي للبنان، إذ أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أكدت وقوفها إلى جانب إسرائيل إبان سنوات الاحتلال. لكن هذه ميزة تفتقر إليها تركيا في غزوها.

توازن القوى

وخلص الكاتب إلى أن الحكومة التركية قد تكون غير مكترثة بالمضاعفات البعيدة المدى لغزوها لسوريا، لكن التاريخ علمنا أنه كما كان للغزو الإسرائيلي للبنان مضاعفات على إسرائيل والشرق الأوسط عموماً، فإن العملية العسكرية التركية قد تغير توازن القوى الإقليمي على المدى المنظور. وكلمة "سلام" لوصف العملية التركية لا تنطوي على مثل هذه الحقيقة.
T+ T T-