الخميس 21 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

الانتصار الحقيقي لثورتي لبنان والعراق



لا نعرف بعد مآلات ثورتي لبنان والعراق الشبابيتين. ليس واضحاً كيف ستنتصر هاتان الثورتان، أو متى، ولا أي مخاضات ومنعطفات ستشهداها. لكنّ المؤكد أن كلا الثورتين، على طريقة كل منهما، ومع الفروقات والمشتركات بينهما، حققتا هدفاً كان يبدو بعيد المنال، إن لم يكن يبدو مستعصياً ومستحيلاً، أخذاً في الحسبان مدى تعقيد الأوضاع السياسية والأهلية وتشابكها في كل من الساحتين، وحجم تداخل السياسات التي انتفض ضدها شباب البلدين، مع الوقائع الإقليمية والدولية أحياناً.

الهدف، بل الانتصار، الذي تحقق، ورأيناه قبل ذلك يتحقق في الجزائر والسودان، تحقق بالضبط للأسباب والتعقيدات والتشابكات آنفة الذكر. إنه ليس انتصاراً في تغيير الطبقة الحاكمة، ولا في مواجهة الفساد، ولا تحقيق المطالب الاجتماعية والمعيشية، فحسب، فهذه كلها قد يتفاوت كماً ونوعاً حجم تحقيقها وفقاً لما ستؤول إليه تطورات الثورتين والنضال الصعب الذي سينتج عنهما. الانتصار المؤكد الذي تحقق وسيكون من الصعب جداً سرقته أو خنقه بالمناورات السياسية والخطابات الفارغة، هو أولاً وأخيراً انتصار في الوعي؛ لسان حال الشباب المنتفضين في لبنان والعراق، والذي عبر عنه كثر صراحة لا تلميحاً، يقول إنه لم يعد يريد العيش في العالم القديم الذي حاولت الطبقات الحاكمة والسلطات المتنفذة في البلدين، بما فيها وعلى رأسها السلطات الدينية، توريثه له، وأنه يريد أن يكون جزءاً من عالم جديد يكون من صنعه هو وانعكاساً لطموحاته وآماله هو.

في قلب هذا الوعي الجديد، ربما غير المتبلور نظرياً بعد، لكنه أكثر من راسخ عملياً، هو تعريف "العدو"، وعطفاً على ذلك بطبيعة الحال توصيف الأزمة الحقيقية وأسباب التدهور الاجتماعي الاقتصادي السياسي الحاصل.

لقد ورث أولئك الشباب خطابة بلاغية تعيد إنتاج العدو وتعريفه وفقاً لمصالح السلطة/ السلطات وتموضعاتها وصراعاتها فيما بينها وأزماتها الخاصة. العدو المريح، إن جاز وصفه كذلك، هو دائماً العدو "الخارجي"، سواء أكان طائفة (شيعة وسنة الخ) أم عرقاً (عرب، كرد الخ) أم دولة (أمريكا) أم كياناً (إسرائيل) أم فكرة/ أيديولوجية (الرأسمالية، الإمبريالية)، وقد مارس أصحاب هذا التوصيف شعاراتيتهم هذه إلى حد الاستهلاك التام والفاقد لأي معنى أو أثر حقيقي.

بلغ الاستخفاف (منطقة الراحة) عند أولئك حداً ما عادوا يشعرون معه بالحاجة إلى بذل جهد حقيقي لإقناع الناس بدعاواهم تلك، بل يكفي إطلاق الكلمة/التهمة كتعويذة حتى يصبح مفعولها نافذاً وأثرها متحققاً.

أمام الإرباك الذي سببه زلزال الثورة، في لبنان على سبيل المثال، والاقتناع بقابلية تلك الثورة للتصاعد والاستمرار والصمود، لم يطل الوقت بأمين عام حزب الله حسن نصر الله، ومعه جميع من يدورون في فلك خطابته، حتى تراجع عن منح التظاهرات الشعبية المشروعية التي منحها لها في خطابه الأول. رمى ورقة العدو الخارجي، إسرائيل، السفارات إلخ بكل سهولة واستخفاف، لتنطلق بعد ذلك أصوات كثيرة (بما فيها أصوات بعض اليساريين والقومجيين) لتعيد إنتاج (ومحاولة إثبات) هذه النظرية. جميعها فشلت فشلاً ذريعاً، بدت مفرغة بصورة تامة، غير قابلة لأي نوع من الحياة بعد ثوان من لفظها، بل باتت موضعاً للسخرية والتندر وليس للحد الأدنى من النقاش الحقيقي.

لقد حدد أولئك الشباب عدوهم بوضوح، إنه كل ما يعوق تقدمنا ووصولنا إلى حاضر ومستقبل أفضل. سمه الفساد، أو الطائفية، أو الحزبية، أو الإقطاع السياسي، أو حكم المصارف والطبقة المالية، أو كل هذا معاً، هذا هو العدو الذي انتفض الشباب عليه، إنه العدو الداخلي، ذلك السرطان الذي استشرى في جسد الدولة حتى كاد يأتي عليها كلياً، دون أن يعني ذلك بالنسبة إلى السواد الأعظم من الشباب أن "العدو الخارجي" التقليدي بات صديقاً أو حليفاً. ولعلها من المفارقات الدالة أن نجد فلسطين، مثلاً، حاضرة في ساحتي الاعتصامات والتظاهرات في لبنان والعراق، اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لقد حفر الشباب قبر الخطابة القديمة، وعمقوا الحفرة، ورموا فيها كل أنواع وأشكال الخطابة المتأخرة التي أرهقت أرواحهم لسنوات وسنوات، ثم ردموا الحفرة؛ ورفعوا الشاهدة؛ وما نراه اليوم من "مقاومة" بائسة لهذا الواقع أو الوعي الجديد، أشبه بأذرع الزومبي وهي تمتد من التراب محاولة الخروج ثانية إلى السطح.

ربما يخرج أولئك الزومبي ويحاولون عض رقاب الناس لكي يصبحوا مجدداً زومبي مثلهم، ربما يتوحشون أكثر ويلجأون إلى المزيد من العنف، ربما لا يحدث التغيير الحقيقي والشامل المأمول، لكن الشاهدة التي رفعها شباب لبنان والعراق ومعظم الشباب العربي، ونحن على مشارف عقد جديد، والتي تقول بكل صراحة: هنا يرقد العالم القديم، والفكر القديم، والخطابة القديمة، والشعارات القديمة... تلك الشاهدة سيكون صعباً جداً على زومبيات الأيديولوجيات البائدة، هدمها مرة أخرى. ما بعد ذلك هو مسألة نضال محض، وهذه أيضاً، أي "النضال" من المفردات التي يعيد الشباب تعريفها، مثلما أعادوا بكل اقتدار تعريف كلمة "ثورة".
T+ T T-