الأحد 8 ديسمبر 2019
موقع 24 الإخباري

حرب الفوز بالنقاط

مدرعات أمريكية في شمال شرق سوريا (أرشيف)
مدرعات أمريكية في شمال شرق سوريا (أرشيف)
أعلنت الشرطة العسكرية الروسية، في 15 نوفمبر(تشرين الثاني) الجاري، إحكامها السيطرة على قاعدة جوية في منطقة متراس بريف مدينة عين العرب، كوباني، في شمال شرق سوريا، بعد أن انسحبت منها أخيراً القوات الأمريكية.

الغريب في فيديو سي إن إن، هو عدم تحديد اسم القاعدة العسكرية، المرفوع عليها العلم الأمريكي. لا نعرف هل هي واحدة من القواعد العسكرية الخمس، التي دخلتها القوات الروسية بعد شهر من زمن الفيديو؟ أم هي قاعدة أخرى
وفي منطق الحرب وأدبياتها، عندما تسحب أمريكا قاعدتها العسكرية من أمام روسيا، تُحسب نقطة لفلاديمير بوتين، وبما أنها حرب لا تجنح للضربات القاضية، فلا مفر من احتساب النقاط، كما في حلبة ملاكمة.
  
الشيء المفارق، والتاريخي في آن، أن روسيا، الاتحاد السوفييتي سابقاً، لم تستطع الصمود أمام أمريكا في حرب أفغانستان التي بدأت في 1979، وانتهت بانسحاب قوات الاتحاد السوفييتي من أفغانستان في 1988. تمتعت أمريكا في حربها السابقة مع روسيا، على أرض أفغانستان، بالنفس الطويل، وسعة الحيلة.

عمر الحرب بين أمريكا وروسيا، على الأراضي السورية، تسعة أعوام، أي أن الحرب بينهما، اقتربت من عشرة أعوام، وهو عمر الحرب بين أمريكا وروسيا في أفغانستان، وهذا قد يعني قرب انتهائها، وقد يعني أيضاً، أن النقاط ما زالت تُجمع بين الدولتين المتصارعتين.

فإذا كانت هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، جاءت بعد عشرة أعوام، فإن هزيمة أمريكا في سوريا، قد تأتي بعد عشرين عاماً، على اعتبار أن استنزاف القوة الأمريكية، الأولى في العالَم، يأخذ وقتاً أطول، وبما أن جمع النقاط في الحرب السورية، بين أمريكا وروسيا، لا يزال متاحاً، فها هو وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، يُعلن أن انسحاب القوات الأمريكية من منطقة كوباني، يعني إعادة تمركز القوات الأمريكية في سوريا.

انسحبت القوات الأمريكية من أربع قواعد عسكرية، قبل انسحابها من القاعدة الخامسة، الجوية بعين العرب، والقواعد الأربع هي، قاعدة عون الدادات، وقاعدة العسلية في منطقة منبج، وقاعدة مشتى النور، وقاعدة مطار عين عيسى، بريف الرقة الشمالي. انتشرت القوات الروسية في فراغ القواعد الخمس الأمريكية.

سارع سلاح الجو الروسي بنشر أربع مروحيات في مطار صرين، لمنع الأمريكيين من تخريب مدرجه، كما فعلوا في قواعد عسكرية أخرى.

يبقى السؤال، لماذا لم يجد الأمريكيون الوقت، لتدمير مدرج مطار صرين؟ ربما بسبب سرعة انتشار القوات الروسية هذه المرة، أو ربما بسبب تعجل القوات العسكرية في تنفيذ قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن إعادة مراجعة استراتيجية واشنطن في سوريا، والتركيز فقط على حماية حقول النفط.

بثت قناة تلفزيون "كراسنايا زفزدا" الروسية، لقطات فيديو، توثق المشاهد الأولى للقاعدة الأمريكية بعد إخلائها، أجهزة ألعاب رياضية، الكثير من المستلزمات الطبية، مياه معدنية في صندوق ضخم، ذخائر طلقات فارغة، غرف بأسرة، وأدوات معيشة، توحي بأن أوامر إخلاء القاعدة، لم تهتم بالإهانات المعنوية المحتملَة للجيش الأمريكي، حين يعرض العدو حياة جنوده الشخصية في فيديوهات موثقة.

في 12 أكتوبر(تشرين الأول) الماضي، قبل شهر تقريباً من إخلاء القاعدة العسكرية الأمريكية في عين العرب، نشرت سي إن إن، فيديو دخول مراسلتها الشهيرة كلاريسا وورد، إحدى القواعد العسكرية الأمريكية على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، لتأكيد وجود الجنود الأمريكيين في شمال سوريا، رغم قرار الرئيس دونالد ترامب، بسحب القوات الأمريكية.

الغريب في فيديو سي إن إن، هو عدم تحديد اسم القاعدة العسكرية، المرفوع عليها العلم الأمريكي. لا نعرف هل هي واحدة من القواعد العسكرية الخمس، التي دخلتها القوات الروسية بعد شهر من زمن الفيديو؟ أم هي قاعدة أخرى، لا تزال ترفع العلم الأمريكي كما أشارت كلاريسا وورد؟

الغرابة لا تنتهي في فيديو سي إن إن، إذ تقول كلاريسا وورد، إنها تريد أن تعرف مشاعر الجنود الأمريكيين في القاعدة العسكرية، بعد قرار الولايات المتحدة بالانسحاب، والسماح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بإطلاق عملية عسكرية ضد الأكراد. سي إن إن لا يهمها سوى توجيه النقد إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هنا تأتي مفاجأة الفيديو، فتقول كلاريسا وورد، إن العسكريين الأكراد هم الذين يحمون القاعدة الأمريكية، ويتناوبون على حراستها، وفي خلفية الفيديو بالفعل، هناك مجموعة من الأكراد بزيهم العسكري.

والسؤال هو، أين هم الجنود الأمريكيون الذين ستتعرف كلاريسا وورد، على مشاعرهم بعد قرار الانسحاب من شمال شرق سوريا.

من جانب آخر، أليس من البديهي، أن تتعرف أيضاً كلاريسا وورد على مشاعر الجنود الأكراد الذين يظهرون خلفها في الفيديو، هل يشعرون بخيانة الولايات المتحدة الأمريكية للأكراد، أم أن رسالة سي إن إن، لا تعنيها بشكل حقيقي خيانة الأكراد، بقدر ما يعنيها، أن دونالد ترامب هو من خان الأكراد، وليس الولايات المتحدة الأمريكية؟ فإذا كانت مشاعر الأكراد، أن الولايات المتحدة الأمريكية، هي من خانت الأكراد، بصرف النظر عن اسم الرئيس الأمريكي الآن، فمن فن التحوط، والاحتراس، والكياسة، ألا تُسجل كلاريسا وورد مع أحد الأكراد، منعاً للإحراج.

تقطع الكاميرا اللقطة على كلاريسا وورد، ما يعني أن هناك زمناً انقضى، واللقطة التالية لكلاريسا وورد في عربة تابعة لفريق التصوير، وتقول لنا، إن الجنود الأمريكيين نظراً لحساسية عملهم هنا، لا يريدون قول أي شيء.

من حق المشاهد لفيديو سي إن إن، الشك في مهنية القناة، فربما لم يكن في القاعدة العسكرية الأمريكية، أثناء تصوير كلاريسا وورد، جنود أمريكيون.
  
في حرب الفوز بالنقاط، يكتنف الغموض كل شيء، فالمزعج لأمريكا الآن، أن روسيا تعلمت شيئاً من سياسة النفس الطويل، أي العيش مع الحرب، ليس كظرف استثنائي، بل كوجود لا ينقطع مثل الشهيق والزفير.

أمريكا كانت الرائدة بلا منازع في سياسة الحرب الدائمة، ومنافسة روسيا لها، بنفس الأسلوب، يعني أن دولاً أخرى ستتعلم، عاجلاً أم آجلاً، سياسات الحرب الدائمة، وهنا فقط سيخسر الجميع.







T+ T T-