الأحد 31 مايو 2020
موقع 24 الإخباري

لبنان...ثورة أم حراك؟

شعار الثورة في وسط بيروت (أرشيف)
شعار الثورة في وسط بيروت (أرشيف)
يحرص ممثلو السلطة/السلطات القائمة في لبنان ووسائل إعلامهم، على نزع صفة "الثورة" عن الانتفاضة العارمة التي تشهدها الساحات العديدة والكثيرة منذ أكثر من شهر ونصف الشهر. يسمون ما حدث ويحدث حراكاً، تحركات، احتجاجات، تظاهرات إلخ، لكنهم يقفون على مسافة واضحةٍ وحذرة جداً من كلمة "ثورة".

المصطلح الذي سيعتمد في كتب التاريخ اللبنانية، يظل رهناً بما ستحمله الأيام المقبلة؛ هل ستستطيع هذه الثورة تأكيد شرعية المصطلح، أم ستقع مجدداً في لعبة الطوائف، فتخسر الوطن وشرعية المصطلح معاً؟
يدرك أولئك مدى أهمية الكلمات، وأن الشرعية الحقيقية أو اللا شرعية، تبدأ من اختيار الكلمات/ المصطلحات المناسبة، ثم تكريسها وجعلها واقعاً سياسياً. إلا أن ما يخشاه أولئك في واقع الأمر، ليس كلمة "ثورة" في حدّ ذاتها، بل الدلالة الضمنية لهذه الكلمة، أو الكلمة الأخرى الناقصة والتي يندر استخدامها مقرونة مع الكلمة الأولى، أي "الشعبية"، أي "ثورة شعبية".

الدلالة الحقيقية هنا، والتي تخيف السلطات أو تقلقها في الحد الأدنى، هي أن "الشعب" بأسره ينتفض بصفته شعباً، وليس "مجموعات"، أو "قطاعات"، أو "فئات" من الشعب.

وعليه فقد حرص الزعماء الممثلون للسلطة وإعلامهم وحتى مناصروهم، منذ البداية، على تأكيد أن الشرعية الشعبية للانتفاضة اللبنانية منقوصة، ما دام جزء مهم من الشعب ليس منضوياً ضمنها، بل وعلى التذكير أيضاً، بأن ذلك الجزء الناقص يمكن تحريكه في أي لحظة لدحض ذلك الزعم، بحسبهم، أي زعم وجود ثورة. وهكذا رأينا جموعاً بشرية، غوغائية وغير غوغائية لكن منتظمة في الحالين، تتحرك في الشارع، وتمارس عنفاً جسدياً ولفظياً بنسب متفاوتة، لتأكيد هذه الفكرة.

الأهم من ذلك، وهذه مفارقة يجب درسها بتوسع أكبر، هو حرص ممثلي السلطات على تذكير الشعب اللبناني كله بأنه منقسم إلى مذاهب وطوائف ومناطق، أولئك الذين قام خطابهم على زعم وطنية متعالية على كل ما سبق، مرة باسم المقاومة (الثنائي الشيعي) ومرة باسم مواجهة الفساد (التيار العوني) وجدناهم يؤكدون مرة بعد مرة بعد مرة المكون المذهبي الطائفي للبلاد.

وما هتاف حشود حزب الله وحركة أمل "شيعة شيعة"، وهتاف جماهير التيار الوطني الحر، باسم ميشال عون وتحركهم في الشارع بدعوى حماية "مقام الرئاسة"، المسيحيّ والمسلوب الصلاحيات لمكونات طائفية أخرى خصوصاً السنية منها، سوى من باب التأكيد الفعلي بعد التأكيد اللفظي لهذا المعطى.

في الحالة الثانية، أي التحركات العونية، رأينا مزجاً شعبوياً بين المفردات الدينية والسياسية، ورأينا إعلاءً غير مألوف من شأن زعيمهم، الرئيس ميشال عون ومعه صهره جبران باسيل، إلى مراتب قدسية إلهية.

ورأينا في الطرف المقابل من تلقف هذه الرسالة ومضى إلى المرجعية الدينية المشتركة، أي البطريرك الماروني، للاحتماء به، ولإعلان النسب الطائفي المشترك بل والحرص عينه على "مقام الرئاسة" انطلاقاً من مصلحة الطائفة التي يمثلها هذا المقام، وهو بطبيعة الحال ما يصبّ بسهولة كبيرة في خدمة خطاب السلطة.

عودة إلى المفارقة، أولئك الذين طرحوا أنفسهم على مر سنوات وعقود، بصفتهم الوطنيين الحقيقيين، الجوهريين، الصافين في وطنيتهم، المضحين من أجلها، أخذوا، جنباً إلى جنب لعبة التخوين المألوفة والسهل استحضارها من معجم الوطنيات الصافية عبر التاريخ، يؤكدون مرة جديدة هوية لبنان الطائفية، مستعينين بالإضافة إلى كل ما سبق، بالمناورات السياسية التي تدور حول فكرة العثور على مرشح "سني" مناسب لتولي رئاسة الحكومة، فهذه المناورة لطالما نجحت في رد الناس من الطوائف كافة إلى أصل طائفي، يحرص زعماء السلطة اليوم على إعادة إنتاجه كل الحرص. نجاح هذه المناورة وغيرها، اليوم، رهن بالناس المنتفضين في الشوارع لكن تفاعلهم حتى الآن لا يدل على تحقق مثل هذا النجاح، أو على الأقل على السهولة والأوتوماتيكية المنتظرة منها.

الصراع على المصطلح، في هذا السياق، ليس إذن بالعابر أو الهامشي. ثورة أم انتفاضة، أم تحرك، أم حراك، أم مظاهرات، أم احتجاجات... من المبكر الحسم، ما دام ذلك جزءاً أصيلاً من الصراع القائم.

إنه في حقيقته صراع على جوهر كل ما جرى منذ السابع عشر من أكتوبر(تشرين الأول) الماضي. صراع على هوية لبنان الحالية والموعودة. هل نشهد ولادة لبنان جديد، مدني لا طائفي، أم تستمر المنظومة القديمة في عملها المعتاد ويسمح لها بإعادة تجديد دمائها. وبين هذين الحدين يتحرك الخطاب السياسي والإعلامي الثقافي (بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي) والشعبي.

الثورة، وهي كلمة قليلة الحروف كثيرة الدلالات، لا تستطيع على مستوى الخطاب النهوض بذاتها، بل هي تحتاج ترسانة لغوية تقف خلفها، تحتاج خطاباً يتجلى ويتبلور ويكتسب منعةً وقوةً وشرعيةً من الأفعال، والبادرات والأفكار الخلاقة، لا من الهتافات وحدها.

ففي السياق اللبناني تحديداً، وفي سياق فكرة التحرر من إرث الطوائف المتجذر عميقاً في الوعي، وفي الممارسة، ترتسم كلمة "الثورة" مع شقيقتها "الشعبية"، وبوقوفها عند مفترق طرق صنع هوية وطنية جديدة، بوصفها مشروعاً وطنياً جامعاً بامتياز، وعليه لا يجب التعامل معها كمسلمة (فالمسلمات اليوم هي لغة السلطات الطائفية القائمة) بل كفرضية يجب العمل على إثباتها، وترسيخها كل ساعة وكل يوم.

من المهم الإشارة هنا، إلى أن اختزال صرخة الناس في الشارع إلى مطالب اجتماعية معيشية فحسب، مثلما بدأنا نرى أخيراً، يقع أيضاً في فخ خطاب السلطة، ويسجل خطوةً إلى الوراء، تتمثل في التخلي التدريجي عن الصرخة السياسية الوطنية المطالبة بالتخلص من النظام الطائفي، بوصفه أصل كل المشكلات والأزمات الأخرى، وهي في أية حال جوهر العبارة الشهيرة "كلن يعني كلن".

يمكن المحاججة أن ما يجري في لبنان اليوم، وبنجاحه في طرح كل الإشكالات آنفة الذكر، وبوعي الأطراف كافة بهذه الإشكالات، هو بالفعل ثورة، وثورة شعبية، وليس حراكاً أو مجرد احتجاج. إلا أن المصطلح الذي سيعتمد في كتب التاريخ اللبنانية، يظل رهناً بما ستحمله الأيام المقبلة، هل ستستطيع هذه الثورة تأكيد شرعية المصطلح، أم ستقع مجدداً في لعبة الطوائف، فتخسر الوطن، وشرعية المصطلح معاً؟
T+ T T-