السبت 30 مايو 2020
موقع 24 الإخباري

زوايا متعددة تحدد معنى "الرواية السياسية"

تعبيرية.(أرشيف
تعبيرية.(أرشيف


يجب أن تنطبق على الرواية السياسية الشروط الفنية المتعارف عليها بين النقاد للعمل الروائي، بحيث لا يطغى الجانب السياسي على الجانب الفني فيها فيحولها إلى منشور سياسي أو دعاية لنظام
يصل البعض في تعريفه للأدب السياسي إلى حد اعتباره الفن القولي شعراً وكتابة وخطابة وحواراً، الذي يتعاطى مع شؤون الحكم تأييداً أو تفنيداً، أو يتناول علاقة الأمة بغيرها في سلم أو حرب.

وهذا التعريف يشير إلى أن هناك نوعاً من القصدية في كتابة أدب سياسي، بينما يذهب رأي آخر إلى أن السياسة تتدفق أحياناً إلى العمل الأدبي دون وجود نية مبيتة لذلك، فنجيب محفوظ يقول في حديثه عن شخصيات روايته "ميرامار":
" لقد بدأت بنية كتابة حياة أشخاص فتحول كل شيء إلى المعنى السياسي .. أي تحول مسار الشخصيات من مجرد شخصيات مستمدة من الواقع إلى رموز سياسية".

وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم طرحه الروائي حيدر حيدر في شهادة له حول الموضوع ذاته، حين ذكر أن بعض النقاد يسألونه: "هل تكتب رواية سياسية، أم أنك في مجرى العملية الروائية يعبر قطارك في محطة سياسية، كما يعبر في محطات الحب والموت والحلم والأساطير والعنف والليالي والنهارات والصراعات لمواجهة البشاعة والتشويه في العالم؟".

وبين الرؤية الأولى والإجابة على التساؤل السابق، يتحدد مفهوم الرواية السياسية، مع الأخذ في الاعتبار مسألة مهمة، تم التطرق لها بإسهاب في ثنايا الفصل السابق، وهي أن الحياد عن السياسة في الأدب والرواية يكاد يتساوى في الجوهر مع كتابة روايـة سياسية ثقيلة الظل وخالية من الابداع الفني، أي أن تصنيف عمل أدبي ما على أنه رواية سياسية، يجب أن ينطلق أولا من كون هذا العمل، من الناحية الفنية، رواية أم لا، ثم يأتي بعد ذلك وصف هذه الرواية بأنها سياسية من عدمه.

إن الرواية وإن كانت قد ارتبطت بالسياسة ولعبت دوراً معيناً في التغيير السياسي بنقدها للواقع الاجتماعي وكشفها بذور التحول الفكري والاقتصادي وتقديمها لشخصيات فنية تبشر بالثورة، أو تحلم بغد أفضل، فإنها ليست "منشورا" سياسيا بأي حال من الأحوال، لأنها لا تحفل باليومي والعادي والمؤقت إلا بمقدار ما يتكرر ويصبح استثنائيا في استمراره، وهي إن كانت لا تستطيع أن تصنع ثورة أو أن تغير مجتمعا، فهذه ليست مهمتها ولا تقوى عليها، فإنها تعد أداة جيدة تجعلنا أكثر إحاطة بما يجرى في محيطنا الاجتماعي، وعلى حد قول الروائي جمال الغيطاني: "يجب أن نعترف أن الأدب لن يغير الواقع المرير الذي نعيشه، فالذي يغيره هو السياسة، لكن الأدب عنصر من عناصر تحريك هذا الواقع"، وذلك من منطلق أن الأدب يبني مضمونه على الدوام من رؤية هي مزيج من اليوتوبيا والتبصر الحاذق بالوضع الراهن، وقد حدا ذلك بإنجلز إلى أن يعتبر الأدب أكثر غنى وصعوبة من النظرية السياسية أو الاقتصادية.

على هذا الأساس، تثار عدة تساؤلات حول تعريف الرواية السياسية، فهل هي التي تطرح قضية سياسية صريحة، أم من الممكن أن تطرق باب السياسية عبر الرمز؟ وهل من الضروري أن يكون أبطالها منخرطين في عمل سياسي ما، سواء كان برلمانياً أو حزبياً أو نقابياً أو حتى يكونوا مسؤولين رفيعي المستوى، أم من الممكن أن يكونوا مجرد أناس عاديين، يتأثرون بالقرارات والممارسات السياسية، بوصفهم شريحة اجتماعية تمسها السياسة بشكل مباشر أحياناً، وغير مباشر أحياناً؟ وهل من اللازم أن يكون هذا البطل إيجابياً في تفاعله مع الواقع السياسي، أم لا؟ وهل يتعين على الرواية أن تتضمن موضوعات محددة، ترتبط بالشأن السياسي، حتى يمكن أن تحمل صفة "رواية سياسية"، أم أن هذا ليس ضروريا؟

إن مجمل التعريفات التي قدمها نقاد الأدب للرواية السياسية دارت غالبا حول الأسئلة المذكورة سلفا، ومن بين هؤلاء جوزيف بلونتر، الذي رفض حصر الرواية السياسية في تناول حياة بعض الأشخاص الذين يتبوؤن مكانة سياسية عليا داخل النظام السياسي، وطالب بضرورة أن يمتد نطاقها ليطوق كافة طبقات وشرائح المجتمع، لكنه اشترط ضرورة أن تكون للأفراد العاديين، الذين يشكلون شخصيات وأبطال العمل الروائي، أدوار سياسية، حتى يمكن أن نطلق على هذا العمل "رواية سياسية"، واستثنى من ذلك الروايات التي تعالج القضايا السياسية بشكل مجازي أو رمزي.

أما إيرفنج هاو، فقد كان أكثر صراحة في التعامل مع مفهوم الرواية السياسية، حيث نظر إليها على أنها تلك الرواية التي تلعب فيها الأفكار السياسية الدور الغالب أو التحكمي، أي أنها تركز على قضايا سياسية بالدرجة الأولى. واعتبر هاو أن التحدي الأكبر أمام "الروائي السياسي" هو أن يجعل من الأفكار أو الأيديولوجيات مادة حية تتحرك داخل العمل الروائي من خلال الشخصيات على هيئة أفعال وتضحيات، وأن يظهر العلاقة بين النظرية والتجربة، أو بين الأيديولوجيا والعواطف التي يحاول أن يقدمها، دون أن يجعل الأفكار المجردة تفسد الناحية الفنية للرواية وتقضي على حيويتها.

ومن بين النقاد العرب الذين تعرضوا لتعريف الرواية السياسية، د. سعيد علوش، التي رأى أنها "نزعة روائية تقوم على أطروحة الدعوة إلى أفكار سياسية معينة، وتفنيد غيرها، مما يفسح المجال أكثر لحوارات تتخذ شكل مجادلات سياسية على حساب التقليل من أهمية العناصر السردية الأخرى .. وهي رواية تنزع نحو نوع من الواقعية، ولا تتميز عن غيرها من الروايات سوى بتأكيدها على الحدث السياسي".

أما د. أحمد إبراهيم الهواري فيعتبر أن الرواية السياسية تتميز بقدرة على ربط المتعة بالوعي مما يساهم في ثراء المضمون، وتحمل وجهة نظر الروائي حيال جماعته القومية عبر إظهار الموقف السياسي لشخصياتها، والذي بدوره يعكس الخط البياني للوضع الاقتصادي لتلك الشخصيات، انطلاقاً من الارتباط القوي بين الوضع الاقتصادي والرؤية السياسية.

ويرفض د. حمدي حسين ما طرحه بلوتنر من ضرورة إخراج الرواية الرمزية من سجلات الرواية السياسية، إذ يرى أن هذا قد ينطبق على المجتمعات الغربية، التي لا تصادر فناً، ولا تحجب رأياً، أما في مجتمعات العالم الثالث، فإن بعض الأدباء يلتحفون بالرمز، أو يستدعون التراث ويسقطونه على الواقع الراهن، حتى ينجوا من ملاحقة السلطة. ويفضل حسين عدم حصر الموضوعات التي يجب على الرواية السياسية أن تشملها، مثل الحروب والسجون، ويرى أن هذا أمر لا طائل من ورائه، ومن الأجدى أن يتم تصنيف الرواية حسب القضايا التي تتعرض لها، مثل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، وهو إن كان يفرق بين الأديب وعالم السياسة، فإنه لا ينكر حق الأول في استخدام الوسائل والأساليب التي يستعملها الثاني، حين يريد أن يوثق بعض الأحداث السياسية الحقيقية في روايته، شريطة أن يتم عرض ذلك بوسيلة فنية، وذلك على غرار ما فعل صنع الله إبراهيم في روايته "ذات".
  
ويقدم د. طه وادي تعريفاً أكثر شمولاً للرواية السياسية، إذ يرى أنها "هي الرواية التي تمثل القضايا والموضوعات السياسية فيها الدور الغالب، بشكل صريح أو رمزي. وكاتب الرواية السياسية ليس منتمياً ـ بالضرورة ـ إلى حزب من الأحزاب السياسية، لكنه صاحب أيديولوجيا، يريد أن يقنع بها قارئه، بشكل صريح أو ضمني ... وهو يستطيع أن يطرح رؤيته للعالم من خلال سرد أحداث معاصرة أو من خلال تصوير إطار تاريخي خادع، لكي يطرح أيديولوجيته بطريقة غير مباشرة ... وبطل الرواية السياسية بطل إشكالي، يتحرك فنياً في إطار قضية أيديولوجية، قد يقدر على حلها أو يخفق، أي أنه قد يستطيع أن يناضل عن عقيدته، أو يسقط صريعاً دونها".

ويرى د. جميل حمداوي أن الرواية السياسية هي "تلك الرواية التي تنصب على مناقشة الأفكار السياسية وبرامج الأحزاب النظرية والعملية، وتحديد تصورات المذاهب السياسية، وتبيان مواطن اختلافها وتشابهها، مع رصد جدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم والعامل مع أرباب وسائل الإنتاج، واستجلاء الفكر النقابي والنضال السياسي وما يستتبعهما من اعتقال وقمع وقهر وحبس للمواطنين والمناضلين في الزنازن وسجون التعذيب والتطهير ... وتركز الرواية السياسية غالباً على القضايا السياسية المحلية والوطنية والقطرية والقومية لمعالجتها ضمن توجهات مختلفة ومحاور متعددة، مستوعبة المراحل المتنوعة التي مرت بها القضية، مع وقفات عند أحداث معينة لها خصوصيتها المتميزة. كما تنبني هذه الرواية على تبئير السلطة والحكم مصورة الاستبداد ومصادرة حقوق الإنسان والزج بالمعتقلين السياسيين في سجون الظلم والقهر. وبذلك يتم التأشير على الخطاب السياسي والعقيدة الإيديولوجية والرؤية السياسية إلى العالم وعلاقة الإنسان بالسلطة ومنظوره إلى واقعه الضيق أو الواسع".

أما د. محمد السيد إسماعيل فينشغل بالعمل الروائي نفسه، مستبعداً صاحبه بانتمائه وانحيازه السياسي. ويصل انشغاله هذا بالنص إلى الحد الذي يراعي فيه ما يسميها "عناصر النص الروائي" التي تشمل في نظره كلاً من العنوان، وشكل الغلاف الخارجي، والإهداء، وعدد الفصول، والإشارات الصريحة أو الضمنية إلى الواقع الخارجي، وعدد الشخصيات الرئيسية والثانوية، وطبيعة العلاقات القائمة بينها، ومختلف آرائها ومواقفها، وموقع الراوي ومنظوره الأيديولوجي، والتعبيري، وطبيعة الأحداث، وكيفية تطورها، وطبيعة الزمان والمكان. وبناء على هذا يعرف الرواية السياسية بأنها "التي تستطيع من خلال أيديولوجية تشكيلها الفني كشف آليات ممارسة السلطة في مستوياتها ودوائرها المتعددة والمتداخلة".

ويعطي د. صلاح فضل لتعريف الرواية السياسية منحى أوسع، حين يعتمد "المؤشر الإسلوبي" طريقاً للوقوف على معنى ومبنى هذا الصنف من الروايات، ليعطي الدور الأساسي للبناء الروائي في الحكم على نوع الرواية، وليس للقضايا أو الأفكار التي تنطوي عليها الرواية، أو للموقف السياسي للروائي والأيديولوجية التي يعتنقها . ففي نظر فضل إن تعددت الإشارات المباشرة إلى المواقف والأحداث والشخصيات القائمة خارج النص الروائي، بأسمائها المعروفة تاريخياً فإنها تضفي صبغة سياسية واضحة على الرواية، تصل إلى حد الاكتمال حين تصير تلك الإشارات الخارجية مسؤولة داخل بنية النص الروائي ذاته عن مصائر الأشخاص، وتحولات الأحداث ودلالاتها الأدبية، ففي هذا المقام تصبح بمثابة مؤشرات نصية، تربط سببياً بين منطق الحياة ومنطق الرواية.

من هذا المنطلق يمكن تعريف الرواية السياسية، إجرائياً، على أنها هي الرواية التي تحمل مضموناً سياسياً، أو يكون السياق العام الذي يحكم مسيرتها ذا طبيعة سياسية، دون أن تتخلى عن فنيتها أو أدبيتها، وقد يكون هذا المضمون توجهات أو أفكاراً أو قضايا أو قيماً تتماس مباشرة مع الظاهرة السياسية بشكل صريح أو رمزي، لتعكس أحداثاً في زمان كتابتها، أو تستدعي تراثاً اجتماعياً وتسقطه على الواقع المعيش، ولا يشترط أن يكون لمؤلفها نشاط سياسي معين أو حتى لديه نية للانخراط في عمل سياسي ما. كما لا يلزم أن تعبر الرواية حتماً عن رؤيته السياسية الخاصة، لكن من الضروري أن يكون لأبطالها أو أغلب شخصياتها دور سياسي، إيجابي أو سلبي، يلعبونه، سواء كانوا مسؤولين أم معارضين، أو حتى مثقفين وعوام يطرحون وجهات نظرهم أو يتخذون موقفا من السياسة بدءاً من النظام المحلي وانتهاء بالنظام الدولي.

على هذا الأساس، يمكن صياغة مؤشرات لمفهوم الرواية السياسية، تتمتع، قدر الإمكان، بالكفاية والصدق والثبات، على النحو التالي:
1 ـ يجب أن تنطبق على الرواية السياسية الشروط الفنية المتعارف عليها بين النقاد للعمل الروائي، بحيث لا يطغى الجانب السياسي على الجانب الفني فيها فيحولها إلى منشور سياسي أو دعاية لنظام أو أيديولوجية ما.

2 ـ من الضروري أن يكون مضمون الرواية سياسياً، سواء من ناحية القيم أم التوجهات أم الأفكار، أي أن يحمل هذه المضمون موقفاً من السلطة السياسية، سواء بالدفاع عنها، أو نقدها، ولذا فإن الروايات السياسية هي التي تتناول ظروف ودوافع وتفاصيل الحرب أو النشاط الاستخباراتي ضد عدو للوطن، أو تتطرق لوجود القمع بكافة صوره (السجن ـ النفي ـ الحجز ـ الإقامة الجبرية ـ الاستعباد ـ الاختطاف لأسباب سياسية ـ الحد من حرية التعبير سواء بمصادرة الكتب أو الرقابة على المطبوعات أو إيقاظ الرقيب الداخلي لدى الكاتب لخوفه من بطش السلطة) في مجتمع ما، أو تكشف فساد الحكام واستغلالهم لمناصبهم لتحقيق منافع شخصية على حساب المصلحة العامة، أو تفضح الانعكاسات السلبية للممارسات الخاطئة للحكومة على المحكومين، من خلال مواقف وأراء شخصيات الرواية وأسلوب حياتهم، أو تمد موضوعها ليشمل كافة أشكال الصراع السياسي بين الأمم والحضارات، أو بعض الموضوعات الاجتماعية التي تأخذ منحى سياسيا مثل كفاح الحركة النسائية من أجل نيل حقوق المرأة أو المطالب السياسية لفئة اجتماعية معينة مثل العمال والفلاحين .. الخ.

3 ـ يدخل العمل الروائي دائرة "الرواية السياسية" في حالة تضمنه القضايا والموضوعات المطروحة في النقطة السابقة، سواء إذا اتبع نهجا صريحا في تناولها، أو لبس ثوب الرمز، لضرورة فنية تروق للكاتب أم كنوع من التقية في التعامل مع السلطة السياسية، أو استدعى التراث وأسقطه، صراحة أم ضمنا، على الواقع المعاصر.

4 ـ من الضروري أن يكون لأبطال العمل الروائي، على الأقل، دور سياسي، ناهيك عن بعض الشخصيات الأخرى في الرواية، بغض النظر عن طبيعة هذا الدور ( إيجابي ـ سلبي) ونوعه (صاحب سلطة ـ فرد عادي / معارض أو مؤيد).


T+ T T-