الثلاثاء 26 مايو 2020
موقع 24 الإخباري

...ما بعد الصدمة الأولى

جنود من القوات الأمريكية في العراق (أرشيف)
جنود من القوات الأمريكية في العراق (أرشيف)
تعهُد إيران، وباسم أذرعتها إخراج أمريكا من المنطقة، وما نقل عن استعداد أمريكي نُفي للانسحاب من العراق، يطرح أمام المحللين والسياسيين وحتى غرف العمليات المتورطة في حروب الشرق الأوسط، سؤالاً حول واقع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وإلى أي مدى تشكل الساحة العراقية ركيزة استراتيجية لهذا الوجود.

صدرت أقوال عن مسؤولين إيرانيين وعراقيين تشير إلى أن معادل تصفية الجنرال -الأيقونة عند أهله- هو على الأقل حرب نصف عالمية وقودها الشرق الأوسط وغرب آسيا
ترتيبات البنتاغون في مواجهة تهديد من أي نوع للقوات الأمريكية في أي مكان، ليست كافية إلا في حالات معينة، وحين يكون التهديد قادماً من إيران، وميليشاتها في العراق وأذرعتها في أماكن متعددة من المنطقة، فإن المعالجة ستكون على مستوى الوجود الاستراتيجي في المنطقة بأسرها، ليس فقط في مجال الدول التي تستضيف قواعد أمريكية ضخمة على أراضيها، بل وأيضاً في مجالات عمل أخرى مثل انتشار القوة الأمريكية في البحار والمحيطات. وفي هذا المجال فأمريكا هي صاحبة السيطرة الأولى وبعدها بمراحل طويلة تأتي القوى الكونية الأخرى مثل روسيا، والصين.

قد يلجأ البنتاغون إلى ترتيبات تكتيكية موضعية لتوفير درجة كافية من الأمن لقواته الموجودة على أرض العراق، غير أن ذلك لن يكون مقدمة لانسحاب من بلد استثمرت فيه أمريكا مبالغ طائلة سواءً في فترة الحروب ضد نظام صدام، أو ما تلاها من حروب متسلسلة لا تزال الحواسيب غير قادرة على تحديد رقم دقيق لكلفتها.

في ساعات الصدمة الأولى لتصفية الجنرال قاسم سليماني، صدرت أقوال عن مسؤولين إيرانيين وعراقيين، تشير إلى أن معادل تصفية الجنرال -الأيقونة عند أهله- هو على الأقل حرب نصف عالمية وقودها الشرق الأوسط، وغرب آسيا، وحتى حسن نصر الله بلغ به الأمر إلى حد تغيير التقويم الميلادي والهجري، بما قبل الاغتيال وما بعده.

وفي سياق تصريحات الصدمة الأولى ظهرت في الهوامش، وبنظرات مترددة كلمة إسرائيل، وحيفا، وفي ذات السياق ...ما بعد الصدمة الأولى، ودون الإشارة إلى رد الأمريكيين على قوافل النعوش.

تراثنا المشرقي مليء بمصطلحات الصدمة الأولى، التي تجنح فيها اللغة وتتواضع فيها الفاعلية، وفي تراثنا المشرقي هزمنا إسرائيل عدة مرات باللغة، وفي كل مرة كنا نُهزم فيها، لمنا أنفسنا على تصريحات الصدمة وما جرتنا إليه.

الرئيس ترامب المتجاوز في قراراته كل الحدود، والخطوط، والحسابات الدارجة، تحدث عن خمسين هدفاً سيضربها إذا بلغ الرد الإيراني مستوىً لا يستطيع هضمه، وهذا التهديد يستحق أن ينظر إليه بجدية خصوصاً وأنه جاء في السنة الحاسمة التي تتحدد فيها فرصه في تجديد رئاسته، وكما عود ترامب الحلفاء والأعداء على أنه يفعل أخطر الأمور بأبسط الدوافع، فينبغي أن تُقرأ تهديداته خارج كونها مجرد حرب نفسية تقال من أجل الردع المسبق.

بعد الصدمة الأولى مباشرةً لا يتوقع تدخل دولي فعال، أو حاسم في أمر خفض التوتر وإنهائه، إلا أن الزمن ورؤية الحقائق خارج نطاق تأثير الصدمة الأولى قد يفرضا تعقلاً تذوب فيه التهديدات غير المنطقية، وتعود فيه المعادلات المسيطر عليها إلى العمل.
T+ T T-