الإثنين 17 فبراير 2020
موقع 24 الإخباري

"كتاب الكتب" والتقليل من شأن فلسطين

قبة الصخرة في القدس (أرشيف)
قبة الصخرة في القدس (أرشيف)
مبكراً تجاوزت فلسطين فكرة المصطلح السياسي الرائج "أرض محتلة"، متى لم تكن محتلة!، كانت تتشكل أبعد قليلاً من الوصف، وأعمق من التوصيف الذي يبدو في كل مرة قاصراً ومتهالكاً.

ما يحدث هو "التقليل من شأن فلسطين"، والتعامل معها كموضوع سياسي يمكن تخطيه بالمناورة، وشيء من الدهاء وحسبة المصالح والقوة
ليس هذا مجازاً كما يبدو للوهلة الأولى، ليست مبالغة أو غرف من خارج النبع.

لدينا مثل شعبي هنا عن الذي يسعى خارج الأمر، يقول: "بيغمس برا الصحن"، بمعنى أنه يغرف من خارج الطبق.

كثيرون الآن يضعون خبزهم خارج الطبق.

منذ زمن طويل، يصعب قياسه، لم تعد فلسطين مساحة في غرب الأرض الآسيوية التي تطل على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، المنطقة التي تقع على الخرائط بين مصر في الجنوب وسوريا ولبنان في جنوب غرب بلاد الشام، أو "فلسطين السورية" كما وصفها "هيرودوت" الإغريقي، حيث يهتدي الذاهبون إلى طريق أفريقيا عبر رمال سيناء الضيق، أو تصل مراكب مزقت الريح المالحة أشرعتها من مرافئ أوروبا وجزر الأرخبيل اليوناني، ويصعد محاربون مشاة عفرتهم الصحراء منحدرات "وادي القلط" قادمين من أنهار العراق وفارس العميقة، السهول هي العميقة هنا.

كانت دائماً في موقع مختلف، شيء أكثر من الأرض وأقرب للحضور، أقرب إلى رواية المكان من المكان نفسه، الاتكاء على التاريخ هو ما جعل منها أكثر من ذلك، في فلسطين تاريخ أكثر بكثير من الجغرافيا.

ليس هذا بحثاً في الاستعارة بقدر ما هو محاولة للحديث عن تحول الاستعارة إلى حقيقة، فلسطين التي مرت على مدينتها "أريحا" أكثر من 21 طبقة حضارية، هذا فصل من الرواية التي زحفت من المجاز وتحولت إلى مكان.

من هذا الباب الذي يبدو سماوياً بطريقة ما، تتحول فلسطين إلى منطقة نفوذ إنساني عميق تترك أثرها على المحيط، ما يحدث "هنا" سيصل "هناك"، سيختار طرقه التي تتبدل في كل حقبة كما لو أنها، الطرق، أقنعة للزمن.

ولكن الذي يحصل هنا سيصل هناك.

الذين حاولوا التقليل من شأن التاريخ وصلوا من الأبواب الأخرى، الأبواب التي تبدو أرضية تماماً، أبواب ساذجة ومطروقة، أبواب بلا ذاكرة حيث لا يمد التاريخ يده ليساعد العابر، أو ليهب الحكمة ويزجي النصيحة.

ما يحدث الآن مع فلسطين يشبه هذا، حيث يكثر العابرون من تلك البوابات المتروكة مثل كمائن للخائفين والمتعجلين.

ما يحدث هو "التقليل من شأن فلسطين"، والتعامل معها كموضوع سياسي يمكن تخطيه بالمناورة، وشيء من الدهاء وحسبة المصالح والقوة.

هذا بالضبط ما فعله "غاريد كوشنر" الذي قرأ 25 كتاباً عن الصراع في فلسطين وعليها، حسب تباهيه، 25 كتاباً مترجما للانجليزية كانت كافية ليضع خطة لإنهاء هذا الصراع وتفكيك نفوذ المكان وحضوره في الوعي الانساني.

25 كتاباً جرى اختيارها بدقة، تتناسب مع ثقافة وغايات مجموعة المستوطنين التي تحتل البيت الأبيض وتحيط بالرئيس، من مكتبة محامي الافلاس "ديفيد ميليش فريدمان" الذي عين مباشرة سفيراً لادارة ترامب في "إسرائيل".

التقليل من شأن فلسطين هي العربة التي تصعد منذ عقود منحدرات "وادي القلط" مروراً بدير جبل التجربة، قرنطل، ثم دير السان جورج نحو برية القدس، هذه كانت طريق جيش فارس، المسلمون وصلوا من الوسط، من الخاصرة، والتلال المنخفضة المشرفة على الساحل وصعدوا نحو القدس، شعوب كثيرة كانت تصل من البحر وتواصل صعودها نحو جبال القدس.

كانوا يضعون تاريخهم ويذهبون.

تاريخ فلسطين هو كل هذه الحقب والفلسطينيون هم محصلة كل هذا.

ليس المقصود هنا هو الحديث عن هذه البلاد كوقائع تاريخية، أو التذرع بالتاريخ لكسب الوقت، بقدر ما هي محاولة ضرورية لفهم ماهية التصرف مع فلسطين.

والتأمل في "كتاب الكتب" الذي لم يقرأه "كوشنر".
T+ T T-