الخميس 2 أبريل 2020
موقع 24 الإخباري

المكتبة السرية والجنرال "الغموض الخصب"

رواية "المكتبة السرية والجنرال" (أرشيف)
رواية "المكتبة السرية والجنرال" (أرشيف)


رغم أن القيمة الأدبية للنص بارزة، إلا أننا نقع على إسهاب ليس دائماً محكماً
رواية خيري الذهبي "المكتبة السرية والجنرال" رواية ملحمية مبنية على فانتازيا شاسعة وغنية، هي بالدرجة الأولى، سيرة عائلة اليازجي الترجمان في رجوعها الى الشيخ شمس الدين، وتحدرها إماماً بعد إمام، الى أن انتهت الى الشيخ محي الدين الذي جُرّد من إمامته وخطبته في المسجد، لأنه، في نفوره، من الخط النسخي الذي هو الخط الجماهيري، خالف وصايا الطاغية، الذي أراد للثقافة أن تكون شعبية.

الشيخ محي الدين هو انتكاسة الأسرة التي جعلت مبانيها تخرب وتنهار، في ما هو مصرّ على بقائها في ملك الأسرة تحمل اسمها. الشيخ محي الدين لم يخرج عن تراث الأسرة، الذي يقضي بولد واحد لكل بيت، الا أنه، من زواج سابق، أنجب صلاح ثم تزوج الجميلة إلهام التي تعلقت بصلاح، الذي شب واكتمل، وهو أيضاً تعلّق بها إلى أن انجبت منه ابنه وأخاه نوري. صلاح، الذي قلّما نصادفه، هو تقريباً شخصية الرواية، وهو مع ديكور المكتبة السرية المختفية في الجدران، العامرة بالسراديب والأنفاق والرفوف المكتظة بكتب الجنس وبالرسوم المكشوفة وبالتماثيل. هذه المكتبة، التي توارت حتى عن عيون صلاح ونوري، تحوي كتاب الجفر وهو أيضاً سري تم تزويره بأمر الطاغية، بينما بقيت نسخته الأصلية وحدها في مكتبة اليازجي. أما الجنرال، فهو الطاغية مسعود الذي اعتقل صلاح اليازجي الذي بات، بعد أن شب، مثقفاً كبيراً وعالماً باللغات. مسعود الذي يمقت صلاح ويطارده من بلد إلى بلد، ولا نعرف سبباً لهذه الكراهية، الا أن مسعود، مثله مثل كل الطغاة يكره الثقافة والمثقفين. صلاح يتوجه إلى البرازيل بعد أن اختلف مع ياسمين، التي كادت أن تصبح عشيقته بخطأ منها، وبخطأ منها انفصلا ثم عادا إلى التواصل، هو من البرازيل وهي من بلدها الى أن جاء الخبر بأن صلاح فقد، وهنا تتعدد الروايات فمن قائل إن الأسماك المتوحشة التهمته، بعد أن قذفه واحد من الزورق الى الأعماق، ومن قائل إن صخرة دهسته، وفي كل الأحوال فإن التهمة موجهة إلى مسعود الطاغية.

بعد أن اختفى صالح يظهر نوري، الذي يشبهه تمام الشبه، هذا ما جعله مقرباً من ياسمين التي بقيت، رغم سنّها جميلة ومشتهاة، الأمر الذي جمع الإثنين صلاح وأخاه على حبها، لكن نوري وهو يتفقد مكتبة صلاح، التي هي أيضاً غرائبية وعامرة بالأنفاق والسراديب والدهاليز، تقع فوقه متفجرة من طائرة روسية. هكذا ندخل في الوقت الحالي.

تنفجر المكتبة وتنتشر شظاياها، عندئذ يبحث نوري عن إلهام أمه التي كانت قربه فلا يجدها، لكنه يجد جثمان ياسمين. هكذا نجتاز الرواية مرحلة بعد مرحلة، فمن زمن محي الدين والهام إلى زمن صلاح إلى زمن نوري ننتقل من جيل إلى جيل، مغلفين بغموض المكتبة وسريتها التي تذكر بمكتبة بورخيس، التي هي متاهة كونية، كما تبني على ما يذكر بألف ليلة وليلة من النزول في الأرض والتجول بين الأنفاق والسراديب.

يمكننا القول إننا أمام نص متين بلغته، التي تلائم قسوة النص وغرائبيته وتتملاها بشاعرية لافتة وقدرة كبيرة على حبك الصور وابتكارها. لكننا لا نأمن من التيه بين المراحل والأجيال والأمكنة المستغلقة. ورغم أن السياسة في عمق الرواية، إلا أننا لا نتعرف على الطاغية إلا من بعيد ولمحاً، كما أن الزمن الحالي غائب لا يظهر إلا في تضاعيف الرواية وخاتمتها، ورغم أن القيمة الأدبية للنص بارزة، إلا أننا نقع على إسهاب ليس دائماً محكماً.
T+ T T-