الخميس 2 أبريل 2020
موقع 24 الإخباري

مغامرت أردوغان في المنطقة كوارث متنقلة

وصف الباحث سيمون والدمان تدخلات تركيا العسكرية في الشرق الأوسط من سوريا إلى ليبيا وفلسطين بأنها "كوارث" ولكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعمد إلى تحويل خسائره المطلقة إلى انتصارات استراتيجية، ويغض الطرف عن تداعياتها في محاولة لترسيخ ادعاء تركيا بأنها لاعب قوي في الشرق الأوسط.

تسعى جاهدة للاستيلاء على النفوذ من خلال حجز نصيب لها في كعكة غاز المتوسط، وتوجيه رسالة مفادها أنه لا يمكن تجاهل مصالحها
ويستبعد الباحث، في تقرير بصحيفة "هآرتس"، أن تكون محاولات تركيا الأخيرة للذهاب بمفردها في مغامرات عسكرية دولية، من سوريا إلى ليبيا، كوارث غير مقصودة؛ لاسيما أن أنقرة تدعم في تلك الصراعات إما الجانب الخاسر أو تساهم في الوصول إلى طريق مسدود.

نصيب في الكعكة
ولا ترى أنقرة بالضرورة أولوية في دعم الفائز، سواء في سوريا أو غيرها؛ إذ يتمثل هدفها في نيل نصيب في الكعكة القريبة خارج حدودها، وكذلك ضمان أن القوى الأخرى تعترف بالفعل بالمصالح التركية.

وعلى سبيل المثال، في سوريا عقب التطورات الأخيرة التي حققها الجيش السوري في إدلب، والمناوشات التي أسفرت عن قتل 13 جندياً تركياً، طالب أردوغان، الذي يثير الفتن على حد وصف الباحث، الجيش السوري بالانسحاب أو مواجهة الانتقام الشديد. وأرسلت أنقرة فعلاً قوات ومعدات وإمدادات إضافية إلى الخطوط الأمامية.

واعترضت تركيا بشكل علني على تصريح موسكو بأنها انتهكت اتفاقيات وقف التصعيد التي أُبرمت بين البلدين وإيران في عام 2018. وخلال الأسبوع الماضي، حاول المبعوث الأمريكي جيمس جيفري استخدام الصدع الروسي- التركي لإعادة تقويم العلاقات الأمريكية -التركية؛ حيث وصف الجنود الأتراك الذين قتلوا بأنهم "شهداء" وتعهد بأن تقف واشنطن مع حليفتها في الناتو.

بيد أن أنقرة، بحسب الباحث، ليست في عجلة من أمرها للعودة إلى الحظيرة الغربية، ولاتزال مصممة على رسم طريقها بمفردها. ويبدو موقفها في إدلب غير مقبول؛ خاصة أن قوات المعارضة التي تدعمها ليس لديها فرصة كبيرة للفوز على القوة المتفوقة للجيش السوري المدعوم من روسيا التي تسيطر على المجال الجوي للمنطقة.

إدلب .. ورقة مساومة
وعلى الرغم من أن قوات الجيش السوري حققت تقدماً مطرداً في جميع أنحاء البلاد، إلا أن أنقرة تتمسك بسياسة محكوم عليها بالفشل تتمثل في دعم فرق متفرقة من قوات المعارضة.

ويرى الباحث أن أنقرة متمسكة بإدلب حتى يتم الاعتراف بمصالحها من قبل القوى الدولية، وكذلك حتى تحصل على مكانة مركزية في المفاوضات حول مستقبل سوريا، فضلاً عن أنها بذلك تتجنب في الوقت الراهن تدفق المزيد من اللاجئين السوريين.

ويقول التقرير: "يكفي بالنسبة لأنقرة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث إلى أردوغان بانتظام، كما أرسلت موسكو الأسبوع الماضي وفداً إلى تركيا لمناقشة الوضع، وسيتم إجراء محادثات إضافية في موسكو هذا الأسبوع. وعلى الأرجح سوف تستخدم تركيا في وقت لاحق إدلب كورقة مساومة لتأمين مصالحها في مناطق أخرى من سوريا وخاصة الأراضي الكردية على طول حدودها".

ابتزاز المجتمع الدولي في ليبيا

وبالمثل أرسلت تركيا معدات وأسلحة وأفراداً في القوات التي تدعمها في سوريا، بعضهم جهاديون متطرفون، إلى ليبيا من أجل دعم حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها بقيادة فايز السراج.

ويورد الباحث أنه حتى لو نجحت حكومة طرابلس فإن هذا يؤدي إلا إلى طريق مسدود؛ حيث تسيطر قوات المعارضة بقيادة اللواء الليبي خليفة حفتر على معظم البلاد، ويتمتع حفتر بدعم من روسيا وفرنسا ودول أخرى في المنطقة.

ولكن كما هو الحال في سوريا، لا يتعلق التورط العسكري التركي في ليبيا بدعم الجانب الرابح وإنما يستهدف استعراض النفوذ والادعاء بالحصول على أحقية في تحديد مستقبل البلاد، وحتى الآن نجحت أنقرة في تحقيق ذلك من خلال مشاركها في محادثات وقف إطلاق النار في برلين الشهر الماضي وكذلك المناقشات الجارية في جنيف.
ويضيف التقرير: "طالما انخرطت تركيا في النزاع، فإن المجتمع الدولي سيكون ملزماً، على مضض، بالاعتراف بتركيا كقوة إقليمية مهمة".

أطماع تركيا في غاز المتوسط
وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط، أدى إصرار تركيا على عمليات الحفر قبالة ساحل قبرص إلى إثارة الخلاف ليس فقط مع نيقوسيا ولكن أيضاً مع الاتحاد الأوروبي الذي يستعد الآن لفرض عقوبات ضد تركيا. وفي الوقت نفسه لم يعترف المجتمع الدولي باتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة مع ليبيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ويعتبر الباحث أن تلك الاتفاقية غير فاعلة على الإطلاق، لاسيما أن حكومة طرابلس المحاصرة ليست لديها سلطة حقيقية في البحر المتوسط. وتصطدم تحركات تركيا قبالة قبرص مع مصالح دول أخرى مثل إسرائيل ومصر واليونان وقبرص التي أنشأت بالتعاون مع إيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية منتدى غاز شرق المتوسط للعمل معاً لاستخراج الغاز الإقليمي وتصديره.

وتبدو سياسة تركيا إزاء البحر المتوسط "كارثة لا حدود لها"، برأي الباحث، ومع ذلك لا تعتزم أنقرة تكوين  صداقات أو التأثير على الآخرين، وإنما تسعى جاهدة للاستيلاء على النفوذ من خلال حجز نصيب لها في كعكة غاز المتوسط، إلى جانب توجيه رسالة مفادها أنه لا يمكن تجاهل مصالحها.

ترسيخ النفوذ التركي

وباستثناء القليل من الشعارات في أجزاء من الشارع العربي، فإن موقف تركيا من الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية لم يحقق سوى مكاسب ملموسة ضئيلة بالنسبة إلى أنقرة. ولم تسفر استضافتها لحماس وقيادات جماعة الإخوان المسلمين إلا عن زيادة عزلة أنقرة، وبات أصدقاء تركيا الوحيدون في الشرق الأوسط هم قطر وإيران وحماس.

ويلفت تقرير "هآرتس" إلى أن أردوغان لا يهتم بالعواصم العربية، وإنما يسعى إلى أن تتخذ تركيا موقفاً واضحاً في قضية فلسطين، لكي يتم الاعتراف بأن لبلاده دوراً قوياً في القضية. ويعكس التمعن في تورط تركيا في الشؤون الإقليمية من حيث النتائج حقيقة أن السياسة الخارجية التركية أسفرت عن كوارث لا حدود لها، ولكن أنقرة قلصت بالفعل تلك الخسائر.

ويختم التقرير قائلاً: "يدرك أردوغان جيداً أنه لا يدعم الجانب الرابح، ولكن المشاركة في الصراعات الإقليمية هي بحد ذاتها إسقاط لقوة تركيا، ويرى الرئيس التركي أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات بيد ضعيفة يبدو من الناحية الاستراتيجية أفضل من عدم اللعب على الإطلاق".  
T+ T T-