الجمعة 10 أبريل 2020
موقع 24 الإخباري

"الهلال الشيعي" عند مفترق طرق

كتب الباحث إيثان شينكر، في مقال بصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، أن السياسة الأمريكية إزاء إيران شهدت تحولاً جذرياً الشهر الماضي، حيث كانت تركز في معظم فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المواجهة الاقتصادية التي تُقاس فيها النتائج بالعقوبات والدولارات، لا بالقنابل والأسلحة.

تأثير الحشد حول العلم الإيراني سوف يتلاشى في الوقت المناسب وسوف ينهار الهلال الشيعي الذي تحاول إيران ترسيخه ويعاني من نقص شديد في التمويل
ولكن الولايات المتحدة غيرت سياساتها بشكل كبير في أعقاب الهجمات على حزب الله واغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس السابق بالحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي.

استراتيجية إيران الإقليمية
ويعتبر الباحث أن هذه الضربة الأمريكية للقائد العسكري الإيراني لها تداعيات إقليمية كبرى خاصة في العراق الذي يبدو عند مفترق طرق. ويرجح حصول أحد السيناريوهين: إما أن يغتنم ملالي طهران هذه الفرصة لتدعيم النفوذ الإيراني في دائرة صانعي القرار العراقيين أو ربما نشهد بداية نهاية تطلعات إيران الإقليمية الكبرى.

ويصف الباحث مخطط إيران الاستراتيجي الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بأنه "أخطبوط" يمد مخالبه إلى الخارج لامتصاص السكان المحليين ووضعهم في شبكة من الأصول الاستراتيجية في جميع أنحاء المنطقة. وتستخدم طهران النهج الشامل للشيعة في التواصل لاستغلال الجهات الفاعلة، وخاصة السكان الشيعة في البلدان التي تعرضوا فيها للاضطهاد تاريخياً. وتقدم طهران نفسها باعتبارها الراعي والداعم لنضالهم وتوفر لهم الأسلحة مقابل الولاء.

ونجح هذا النهج بشكل كبير؛ حيث أنشأت طهران شبكة من الأصول العسكرية المباشرة وغير المباشرة المنبثقة عن الميليشيات الشيعية وقوات الحرس الثوري الإيراني في اليمن والعراق ولبنان وسوريا وأفغانستان، ويُعد هذا الوضع مربحاً للجانبين بشكل استراتيجي؛ إذ يحصل هؤلاء الوكلاء (غير الحكوميين) على دعم كبير سواء ماليا أو سياسيا، وهذا بدوره يعزز قدراتهم وشرعيتهم بين السكان الأصليين.

وكلاء إيران
ومن ناحية أخرى، تعبد إيران الطريق لوكلائها والميليشيات التابعة لها، بدءاً من حدودها وحتى البحر المتوسط، وتحديداً على حدود السعودية وإسرائيل، والعراق الآن هو البوابة الرئيسية في هذا الجسر البري، وذلك من الناحيتين الجغرافية والسيكولوجية. وبات العراق الرابط المادي بين إيران وأصولها في البحر المتوسط.

وعلاوة على ذلك، تكتسب الميليشيات الشيعية في العراق المعروفة باسم قوات "الحشد الشعبي" قيمة سيكولوجية مهمة في استراتيجية عموم الشيعة، بعد أن اكتسبت شرعية وثقة الشعب العراقي لقتالهم الناجح ضد داعش. ويعكس ذلك قوة النفوذ الإيراني في جميع أنحاء المنطقة.

ويتساءل الباحث عما إذا كان ولاء قوات الحشد الشعبي سوف يستمر لنظام الملالي من دون  الدعم المالي والعسكري، خاصة في ظل تأثير العقوبات الأمريكية التي أصابت الاقتصاد الإيراني بالشلل. وطالما أن الإجابة على هذا التساؤل غير واضحة حتى الآن، فإننا عند مفترق طرق من التاريخ العراقي.

ويلفت المقال إلى الاحتجاجات الجماهيرية في لبنان والعراق بسبب الأوضاع الاقتصادية، ولدى إيران استثمارات كبرى ونفوذ هائل على الهياكل القيادية في البلدين. ولكن الاحتجاجات اندلعت أيضاً بشكل واسع داخل إيران، ورد عليها نظام الملالي بوحشية.

الهلال الشيعي
ومع ذلك، بدا الشعب الإيراني موحداً ومتضامناً حول العلم الإيراني في جنازة سليماني، فهل هذا مجرد زخم قصير الأمد أم تحول منطقي للسكان المحبطين إلى شعب موحد؟ ويتساءل الباحث أيضاً هل سوف ينطبق الشيء نفسه على العراق؟ وهل ستحافظ الميليشيات على ولائها لملالي طهران إذا توقف الدعم المالي والعسكري؟.
 
ويورد الباحث أن تأثير الحشد حول العلم الإيراني سوف يتلاشى في الوقت المناسب وسوف ينهار الهلال الشيعي الذي تحاول إيران ترسيخه ويعاني من نقص شديد في التمويل، مثلما انهارت امبراطوريات عظمى مثل السوفيتية والرومانية بسبب نقص التمويل المالي. وبالفعل نشهد في الوقت الراهن بداية هذا الانهيار من خلال تبادل الخطابات النارية وبعض الانتقام واسقاط رحلة تجارية وعودة المظاهرات المناهضة للنظام الحاكم في إيران ولبنان نتيجة للأحداث الجارية.

ويختتم الباحث قائلاً: "كانت جنازة سليماني لحظة حاشدة في إيران، ولكن طالما أن الانتقام لا يتصاعد إلى صراع آخر طويل الأمد في العراق، فإننا يجب أن نتوقع أن الشعب العراقي سيعود في الوقت المناسب إلى الاحتجاجات كما فعل الشعب الإيراني واللبناني. الساعة تدق ولايزال مستقبل العراق عالقاً في مفترق طرق".   
T+ T T-