الأربعاء 8 أبريل 2020
موقع 24 الإخباري

كبار السن... أجسام مشبوهة!

تعبيرية.(أرشيف)
تعبيرية.(أرشيف)


إظهار كبار السن وكأنهم كائنات فائضة عن الحاجة يمثل استهدافاً تمييزياً وانتقاصاً من كرامة الفرد وقيمته في الحياة
كغيري من عباد الله أشعر بالخوف من فيروس كورونا المنتشر في كل الدنيا. ومثل غيري أيضاً ألتزم بتعليمات الجهات المسؤولة للوقاية من الفيروس والحد من انتشاره، وأحاول اتقاءه بالصابون والمعقمات الكحولية والعزلة الاختيارية التي يبدو أنها أنجع وسائل الحماية حتى الآن، وإلى أن يتم تطوير علاج أو لقاح ضد هذا الفيروس المستجد الذي فاجأ البشر باجتياحه السريع لحياتهم.

لا يعرف بالتحديد مصدر الفيروس، ولم يثبت علمياً حتى الآن تفسير انتشاره بتناول الصينيين للحم الخفاش رغم أن الرئيس الأمريكي يصر على تسميته بالفيروس الصيني. لم يثبت أيضاً التفسير السياسي لظهور الفيروس، وهو التفسير الذي يتبنى نظرية المؤامرة ويقول إن الفيروس تم تطويره في مختبرات الغرب لاستهداف دول بعينها، حيث يسقط هذا التفسير أمام حقائق الواقع، خاصة وأن الدول الغربية هي التي تعاني الآن أكثر من غيرها من هذه الجائحة الكونية.

استطاع الفيروس خلال أسابيع قليلة أن ينشر الخوف ويشيع الهواجس ويعمم الحذر بين البشر، واستطاع أيضاً أن يفرض العزلة ليس على مستوى الأفراد فقط، ولكن على الدول التي تضطر الآن لعزل نفسها وتغلق مطاراتها وحدودها البرية والبحرية، ويفرض بعضها إغلاقاً على المدن وحظراً للتنقل بينها، ويذهب البعض إلى إعلان وتطبيق حظر التجول كإجراء وقائي أكبر تأثير وأشد صرامة للحيلولة دون تفشي الوباء.

لكن، ورغم قسوة هذه العزلة، وتأثيرها الكبير على عادات الناس وتواصلهم الأسري والاجتماعي، أظهر الفيروس جانباً آخر في النفس البشرية وكشف المعدن الحقيقي للبشر في أوقات الشدة، حين أصبح السؤال عن الأحزان والصحة بالاتصال الهاتفي أو برسالة نصية سؤالاً حقيقياً ينبع من الحرص والحب ولا يندرج في إطار المجاملة الكاذبة والنفاق الاجتماعي، وحين صارت نبرة الحب في الصوت المنقول هاتفياً أبلغ من العناق الاستعراضي.

بحكم اضطراري للعمل حتى في هذ العمر، أعيش بعيداً عن أسرتي، ويمنعني انتشار الفيروس وإغلاق المطارات من السفر لكي أكون موجوداً مع عائلتي في هذه الأيام الصعبة، وأتواصل هاتفياً مع الزوجة والأبناء والأحفاد والأقارب والأصدقاء، ما يخفف العزلة والوحدة في الغربة.

لكن أصواتاً أخرى جافة وناطقة بالقسوة تبدد الطمأنينة وتستفزني، خاصة عندما يؤكد قارئ نشرة الأخبار أن فيروس كورونا لا يشكل خطراً كبيراً على الشباب لأنه قاتل فقط لكبار السن. أمتعض من هذا الاستهداف التمييزي وأقلب مؤشر التلفاز إلى قناة أخرى فأسمع رأياً لطبيب مختص يؤكد أن الذين يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي وأزمات قلبية هم الأكثر عرضة للموت بفيروس كورونا!

أشعر أنني شخصياً مستهدف بهذا الفيروس اللعين، فقد تجاوزت الستين ببضع سنين، وأعاني منذ سنوات من ضعف في الرئتين ومشكلات في الشرايين. ويأخذني الظن إلى أن مذيع نشرة الأخبار والطبيب المختص كانا يتحدثان إلي تحديداً دون سائر الناس، وكأنهما يريدان القول: استعد أيها العجوز.. الكورونا قادم إليك!

لم يكن الإعلام موفقاً في هذه المحاولة الخائبة لطمأنة الناس، لأن إظهار كبار السن وكأنهم كائنات فائضة عن الحاجة يمثل استهدافاً تمييزياً وانتقاصاً من كرامة الفرد وقيمته في الحياة. كما أن الصياغات المستفزة لهذه الرسالة التي تستهدف طمأنة الشباب توحي بعدم أهمية وجود كبار السن على قيد الحياة، ولا أهمية لموتهم بالنسبة لمذيع يلطخ وجهه بمساحيق تبديد الإضاءة أو لطبيب يستغل الوباء في الترويج لنفسه وربما لعيادته الخاصة.

ما قيل عن تأثر كبار السن دون غيرهم بهذا الفيروس الخطير يعبر عن قسوة شديدة ونظرة خاطئة إلى هذه الفئة في مجتمعاتنا، وهي فئة منتجة لا تستحق معاملتها بطريقة قتل الجياد الهرمة، ولا تستحق النظر إليها بعيون ترى كل مسن جسماً مشبوهاً.  
T+ T T-