السبت 30 مايو 2020
موقع 24 الإخباري

رفاق "الملاريا"

أطفال فلسطينيون يلعبون بمخيم عام 1970 (أرشيف)
أطفال فلسطينيون يلعبون بمخيم عام 1970 (أرشيف)


كانت تلك حملة مذهلة وعنيدة نفذها أشخاص فقراء رغم قلة الامكانيات، حملة منسية تواصلت لسنوات تم خلالها تجفيف المستنقعات والسبخات، ومطاردة البعوضة المسببة للمرض، حملة انتهت بالقضاء على تفشي "الملاريا"
فجأة، دون مقدمات، قفز اسم حبوب "الكينين" في العالم، من الفضائيات والتحليلات والمواقع الإلكترونية. "الكينين" كنا نسمي تلك الحبوب الصفراء شديدة المرارة "الكينيا"، ربما لهذا ارتبطت دائماً بشجرة "الكينا"، ولعل هذا هو الذي شكل تلك العلاقة الخاصة التي ربطتني بـ "الكينا"، الاسم والإيقاع ومهابة النبتة وبريتها القوية، شيء من الامتنان غمرني دائماً تجاه الشجرة.

في طفولتي أصبت بـ "الملاريا"، أظن أنني التقطت المرض من السباحة في برك الري الزراعية التي كانت تنتشر في أراضي الغور المنخفضة، المستصلحة أو التي يجري استصلاحها وتنقيتها من الملح، وفي بعض الأحواض التي تتشكل في منعطفات نهر الأردن، ما يجعلني أرجح ذلك هو رفاق من "السباحين" من مجموعتنا تم تشخيصهم بالمرض، كنا أطفالاً ندرس في مدرسة ابتدائية من مدارس وكالة الغوث لللاجئين الفلسطينيين في مخيم الكرامة.

أستطيع أن أتخيل الآن الإرباك والقلق الذي سببته لوالدي من خلال التقاطي لذلك المرض، كان نائباً لمدير المخيم و"مراقباً اجتماعياً" لمركز الشباب، وأحد النشطاء الذين نظموا حملات مكافحة الملاريا في منطقة مخيمات غور الأردن، بما فيها الإجراءات التي تطالب الأهالي بمنع أطفالهم من السباحة في البرك الموبوءة، أما والدتي فقد كانت أكثر هدوء، كان إيمانها العميق البسيط يساعدها على احتمال القلق، أتذكر صوتها وهي تتمتم بأدعيتها عندما كانت تنتابني موجات الحمى في الليل على وجه الخصوص، كانت تجيد "الدعاء"، أدعية خاصة غير منقولة معنية بالتفاصيل الصغيرة للحياة، مطالب قليلة ومكتفية بلهجة قرى "جبل الخليل".

أعداد كبيرة من عمال المياومة شاركوا في تلك السنوات في حملات مكافحة الملاريا التي كانت تشمل منطقة الغور على ضفتي النهر، أستطيع أن أتذكرهم الآن وهم ينحدرون باتجاه مستنقعات النهر وسبخاته في مجموعات متلاحقة، وهم يحملون على ظهورهم مضخات ثقيلة تلمع تحت الشمس القوية في منحدرات الملح، وتواصل لمعانها مثل مرايا بعيدة وهم يبتعدون بينما نحن، مجاميع الأولاد، نحاول عدّهم من جديد، استطيع أن أشم رائحة تبغهم القوية التي تتأخر بعدهم، ورائحة الشاي الذي شربوه قبل انطلاقهم لمطاردة الحشرة التي تقتل أطفالهم، وروائح المبيدات الحارقة التي تفوح من ملابسهم ومضخاتهم.

كانت تلك حملة مذهلة وعنيدة نفذها أشخاص فقراء رغم قلة الامكانيات، حملة منسية تواصلت لسنوات تم خلالها تجفيف المستنقعات والسبخات، ومطاردة البعوضة المسببة للمرض، حملة انتهت بالقضاء على تفشي "الملاريا" التي فتكت بالكثير من أطفال المخيم.

تطفو دائماً أسماؤهم في ذاكرتي، وتتكرر وقفتهم المرتبكة أمام غرفة المعلمين التي يستخدمها طبيب وممرضتان يصلون كل يوم سبت إلى المدرسة لفحص قائمة طويلة من المصابين.

لسبب أو لآخر كنت من الناجين، كذلك نجا "عودة" الولد البدوي الذي كان يسكن في أطراف المخيم، لم يكن عودة لاجئاً، كان ينحدر من إحدى قرى إربد، ولكنه كان يشاركنا في كل شيء، مطعم الوكالة والحليب وحبتي زيت السمك في الطابور الصباحي، كان والده جندياً في "الجيش العربي"، هذا هو هو اسم "الجيش الأردني"، وفي مرة حضر وأخذه من المدرسة، وصل بقيافته العسكرية وكوفية حمراء وكانت بندقية لامعة تتعلق بكتفه، يصعب نسيان ذلك المشهد. وقف الأب الجندي في ساحة المدرسة وعندما ظهر "عودة" رفعه إليه واحتضنه دون أن يأبه لسقوط كراساته من الحقيبة القماشية التي صنعتها له أمه، التي سارع على غير عادة اكثر من متطوع لجمعها وإعادتها إلى عودة الذي أنزله والده على الأرض الآن، واتجه نحو غرفة المدير وهو يمسك يد عودة ليسأل عن مرض ابنه.

كان ذلك رقيقاً ومؤثراً وصادماً، أقصد هذا الحب المباشر الذي يبديه جندي بدوي تجاه ابنه، العواطف المباشرة والاحتضان واليد الحنونة على شعر عودة المحلوق حسب نظام المدرسة الصارم.

مثل استعادة لا مجال لتفاديها تصعد تلك الأيام البعيدة إلى "هنا" ممتلئة بشقاوة الطفولة، ومرارة الكينا، وشقاء الأهل، والكثير من البهجة الغريبة، بينما أفتح يدي "هناك" لتضع فيها ممرضة مرهقة وطيبة حبة دواء مرة وصفراء.

T+ T T-