السبت 30 مايو 2020
موقع 24 الإخباري

"الكورونية" و"ساعتنا الاخيرة"!

طاقم طبي  أحد مستشفيات معالجة مرضى كورونا.(أرشيف)
طاقم طبي أحد مستشفيات معالجة مرضى كورونا.(أرشيف)


الأسئلة التى طرحتها ولا أملك الاجابة عليها هي في حد ذاتها جزء من "لغز الكورونية" وقوتها التي سوف تشكل حالة تتجاوز المرض إلى "هندسة سلوكية – اجتماعية" ، و "هندسة اقتصادية – سياسية – امنية" في المستقبل
يبدو أن التاريخ سيخلد اسم "فيروس كورونا" كمصطلح يعبر عن واحدة من الاهتزازات الكبرى في التاريخ البشري بسبب الآثار الجسيمة والخطيرة التي عصفت بالحضارة الإنسانية في الربع الاول من القرن الحادي والعشرين، والتى كبدت العالم أرقاماً فلكية من الخسائر المالية والمادية والتى لم يحسبها بعد بدقة، كما مازال عاجزاً عن تحديد آثارها النفسية والاجتماعية.

شهد التاريخ البشري كوارث وبائية كبرى، ومن أكثرها سوءاً كان الطاعون الذي أسقط الامبراطورية الرومانية، وأسقط بعدها الامبراطورية البيزنطية في الشرق والذي قيل إنه قضى على نصف سكان الأرض وقتذاك. أما أقرب كارثة وبائية شهدتها الإنسانية هي "الانفلونزا الإسبانية" التي حصدت من عام 1917 إلى عام 1920 قرابة خمسين مليوناً. ورغم ذلك التاريخ الحافل بالموت والأمراض المهلكة إلا أن "كارثة الكورونا الحالية" هي الأكثر تأثيراً على الإنسانية لأنها أصبحت قضية كل بيت في هذا العالم وخلقت رعباً وهلعاً لم يعشه سكان الكرة الارضية من قبل. فبسبب التطور في وسائل المواصلات والسفر ووسائل التواصل الاجتماعي تحول "الهلع" الإنساني إلى توقيت معتمد لطقوس ومسلكيات ومشاهد لم يسبق للعالم أن توحد على وقعه، وأقصد هنا طقوس لبس الأقنعة الواقية للأنف والفم وقفزات الأيدي والتعقيم المستمر للأيدي بالإضافة لوقف المصافحة والتقبيل في هندسة سلوكية قسرية تعاكس مشاعر الحب والشوق و"تعليبها" و "كبتها" بالإضافة إلى الابتعاد عن المناسبات الاجتماعية.

"الكورونية" هي عنوان أزمة عميقة للإسانية ليس بسبب الضحايا، فضحاياها مهما بلغت فلن تكن بأي حال من الأحوال اكثر من ضحايا الانفلونزا الموسمية التي تضرب العالم مع بداية كل شتاء في شتى أرجاء المعمورة وتقتل من ربع مليون إلى نصف مليون سنوياً. أقول أزمة عميقة بسبب آثارها على الدول والشعوب وقوة سطوتها والرهبة التي "خُلقت" مصاحبة لها، وبات مريض الكورونا يشكل رعباً لدى أقرب المقربين منه، أهله وأصدقائه، وكأنه مريض بـ "الجذام"، أو الجدري، أو الطاعون، بالرغم من أن المصاب به لا يتغير شكله إلى حالة "مقززة" مثل الحالات المذكورة، أما السبب في الخوف من مريض الكورونا فهو بالاضافة للحالة الصحية، هي الحالة الاجتماعية حيث استقر في "الذهنية المجتمعية" أن مريض الكورونا بات يمثل "حالة يجب عزلها واعتزالها" وهو سلوك كرس "الكورونا" كحالة معيبة اجتماعياً تمنع المريض من الاعتراف بمرضه أو تمنع أهله من الاعتراف بأن لديهم "مريض كورونا" للأسباب الاجتماعية الناتجة عن تداعيات المرض.

شكل فيروس كورونا بالإضافة لكل ما سبق نوعاً من "الهذيان" الفكري والثقافي والأمني حيث أفرج العالم عن "مخزونه" من قصص وأساطير وروايات وأفلام خيالية لها علاقة بكورونا، وكانت رواية عيون الظلام للكاتب الأمريكي دين كونتر والتي نشرت عام 1981 وتحدث فيها عن فيروس بمواصفات كورونا ويظهر في ووهان بالصين أبرز عناوين هذا المخزون ثم جاء فيلم "العدوى Contagion" المنتج عام 2011 للمخرج ستيفن سودربرغ ويحاكي بصورة كبيرة فايروس كورونا ثم أميط اللثام مؤخراً عن كتاب "ساعتنا الأخيرة" للعالم البريطاني مارتن ريز والذي يشرح فيه كيف يمكن للفعل البشري غير المسؤول والفوضوي أن يكلف البشرية جمعاء ثمناً باهظاً للغاية قد يكون فناؤها، وتحدث عن الأبحاث والحرب البيولوجية وحدد بصورة خاصة عام 2020 وسماه "عام الخطأ البيولوجي الذي سيتسبب بمقتل مليون إنسان"، وما يميز اطروحة مارتن ريز في كتابه "ساعتنا الاخيرة " عن الروايات والأفلام التى تنبأت بفيروس شبيه بكورونا وأثره على العالم ، أنه توصل لتلك الخلاصة في الكتاب بناء على دراسات وأبحاث ذات طابع علمي بحت، فهو عالم بريطاني في الكونيات والفيزياء الفلكية وأستاذ في جامعة كامبردج ورئيس سابق للجمعية الملكية البريطانية.

كل ما سبق يدفعني لطرح سؤال محدد قد يراه البعض عبثياً وقد يراه البعض الآخر منطقياً ألا وهو ... هل كل ما كتب أو صور كان صدفة أم كان علماً أم تنبؤات وخيالاً جامحاً؟

هذه الأسئلة التى طرحتها ولا أملك الاجابة عليها هي في حد ذاتها جزء من "لغز الكورونية" وقوتها التي سوف تشكل حالة تتجاوز المرض إلى "هندسة سلوكية – اجتماعية" ، و "هندسة اقتصادية – سياسية – امنية" في المستقبل .


T+ T T-