الإثنين 27 سبتمبر 2021
موقع 24 الإخباري

أيام صعبة

أمريكية تتفقد والدتها في مركز للرعاية من خلف النافذة في واشنطن.(أرشيف)
أمريكية تتفقد والدتها في مركز للرعاية من خلف النافذة في واشنطن.(أرشيف)


هي أيام صعبة، وروتينها قاتل، لكنها تكشف مدى تعلقنا بحياة لم نحرص على سلامتها، فانغمسنا في الحروب الغبية، واستسلمنا لأوهام التميز والتفوق الطائفي والمناطقي والعقائدي قبل أن نكتشف أن فيروساً صغيراً لا يُرى بالعين المجردة قادر على هزيمتنا جميعاً
نكابر كثيراً ويأخذنا حسن الظن المدفوع بالتمني إلى استنتاجات عجولة تبشر بخروج قريب وسريع مما نحن فيه من كرب مستجد، لكن هذه الاستنتاجات سرعان ما تبددها الأرقام المرعبة التي تؤكد تزايد عدد الإصابات والوفيات الناتجة عن فيروس كورونا.

ليست هذه نهاية العالم، لكنها بداية تغيير شامل وإجباري لشكل الحياة على هذا الكوكب المبتلى بكل أنواع الصراع، وينبغي أن نبدأ منذ الآن بوضع تصورات واقعية لأسلوب حياتنا في زمن ما بعد كورونا.

لا أعني هنا شكل الحياة السياسية ولا خريطة القوى في العالم، فهذه مهمة العباقرة السياسيين الذين هزمهم الفيروس وأوقف كل مشاريعهم وإن لم يستطع حتى الآن وقف مهاتراتهم وتصريحاتهم الغبية.

أعني أسلوب حياتنا اليومية وعاداتنا الفردية والمجتمعية التي نرى الآن كيف تغيرت إجبارياً بفعل خوفنا من الموت بالكورونا.

أعترف بداية بأن حياتي تغيرت كثيراً، رغم أني بطبيعتي محافظ ورافض للتغيير.
كنت أحب الصحو المبكر لشرب القهوة على الشرفة والاستماع إلى فيروز، وصرت أنهض مبكراً لأنني لا استطيع النوم، وأخشى الكوابيس المريعة التي تبقيني خائفاً طيلة الليل. وقد هجرت الشرفة لأشرب قهوة الصباح المرة أمام شاشة التلفاز لأتابع آخر أخبار وأرقام الوباء.
كنت أستمتع بحمام الصباح المنعش، وصار الحمام مهمة إجبارية وجزءاً من شروط الوقاية من الإصابة بالفيروس. وكذلك استبدلت زجاجة العطر بعبوة المعقم، واستعدت طريقة غسل اليدين التي تعلمتها في الصف الثاني ابتدائي وأعاد تذكيري بها قبل شهرين إخصائيون يحملون ألقاباً طبية وعلمية كبيرة.

تغيّر شكل الحياة، وخفت كثيراً زحمة العربات والبشر في الشوارع، وصار الطريق من البيت إلى المكتب سهلاً ومفتوحاً، لكنه مزدحم بالهواجس ومخاوف الاحتكاك بالآخرين في زمن صارت فيه المصافحة مكروهة ناهيك عن العناق المحرم صحياً.

هي أيام صعبة، لكنني أشعر أنها ستكون عادية تماماً في زمن ما بعد الكورونا، حين نواصل التباعد الاجتماعي، ونستبدل عناقاتنا بتحية شفهية نلقيها على بعد مترين على الأقل. وحين تنتهي دعوات الغداء الجماعي ويستعاض عنها بالشطائر المغلفة بعناية ويكون اسم صاحب الدعوة مطبوعاً على ورق التغليف.

سيكون علي أن أتقبل أيضاً خوف الآخرين من الاحتكاك بي أو الاقتراب مني، فأنا مسن، ولدي مشكلات في الشرايين، وأعاني من ضعف الرئتين. صحيح أن تشخيص هذه الأمراض سابق لظهور الكورونا لكنه في زمن الوباء صار مدعاة للخوف بدلاً من التعاطف، وحولني إلى مشبوه ينبغي تجنب الاقتراب منه.

أعيش الآن بعيداً عن أسرتي، وأحاول تخيل مشهد اللقاء بالعائلة بعد أن تفتح الحدود وتستعيد المطارات نشاطها.. هل سيستقبلونني بالتحية الشفهية على بعد مترين، وهل سيكون أحفادي مجبرين على الابتعاد عني في صالون البيت؟ وكيف ستلتئم العائلة على وجبة شهية تعدها الجدة التي تقضي جل يومها الآن في محادثات الفيديو مع الأحفاد، وتبكي لحرمانها من رؤيتهم.

هي أيام صعبة، وروتينها قاتل، لكنها تكشف مدى تعلقنا بحياة لم نحرص على سلامتها، فانغمسنا في الحروب الغبية، واستسلمنا لأوهام التميز والتفوق الطائفي والمناطقي والعقائدي قبل أن نكتشف أن فيروساً صغيراً لا يُرى بالعين المجردة قادر على هزيمتنا جميعاً، وقادر أيضاً على تغيير شكل حياتنا التي اعتقدنا أنها محصنة بالتقدم العلمي.

علينا أن نتعلم الآن كيف نتعايش مع الروتين الجديد، وعلينا أن نقبل بالتغيير الإجباري وأن ننفض عن عقولنا غبار الوهم والقناعات التي يثبت الآن أنها مجرد واقع افتراضي.
أنهي الكتابة الآن لأغسل يدي مثلما تعلمت في الصف الثاني ابتدائي.

T+ T T-