الجمعة 24 سبتمبر 2021
موقع 24 الإخباري

الأكثر انكشافاً.. الأقل خوفاً

مسن في زمن كورونا (أرشيف)
مسن في زمن كورونا (أرشيف)
بطريقة لبقة أو مستفزة وجارحة أحياناً، يؤكد العلماء، والأطباء، وحتى رجال السياسة، أن كبار السن هم الأكثر ضعفاً وانكشافاً وعرضة للإصابة والموت بفيروس كورونا الجديد الذي استطاع تحويل العالم إلى سجن كبير، تظلله غمامة سوداء من القلق، والخوف من اللحظة الصعبة، وما يليها من زمن مجهول المعالم.

لقد تعلم كبار السن العيش مع وهن الجسد، وتعلموا أيضاً كيف يعيدون صناعة أحلامهم ورؤيتها تتحقق في نجاحات الأبناء والأحفاد، وتعلموا الزهو بمنجز الآخر بدلاً من الغيرة منه، وانغمسوا في متعة العيش في العائلة ومن أجل العائلة. لذا تجدهم الأكثر قدرة على التبسم
ليس هذا اكتشافاً خارقاً في زمن الوباء، بل حقيقة بديهية لم تتغير منذ بدء الخليقة، لأن العمر، مهما طال، يظل قصيراً، ولأن الجسد لا بد أن يضعف.. ويموت.

لذا، تبدو تحذيرات الأطباء منطقية، وكذلك إجراءات الحكومات التي تفرض الحجر على كبار السن، وتحد حركتهم لحمايتهم من الإصابة بالفيروس. لكن ما لا يعرفه أو يعترف به العلماء هو تلك القوة التي تتجاوز حدود الجسد، وخلاياه الضعيفة وتسكن في النفس لتبدد الخوف من الاحتمالات، وتشيع الهدوء والسكينة في النفوس الشائخة، التي تعادل ضعفها الجسدي بقوة الروح وصفاء الرؤية.

ولعلني لا أقفز إلى الاستنتاج العجول بالقول إن كبار السن هم الأقل خوفاً من كورونا ومن غيرها من جوائح الحياة، ربما لأن هؤلاء، وأنا منهم، أكثر قبولاً وتقبلاً لحقائق العلم، ولسنن الحياة، وهم الأكثر هدوءاً في مواجهة المستجد أياً كان نوعه، وهم الأكثر قدرة على استيعاب الصدمات، والتعايش مع الأزمات.

ليس هذا دليل حكمة يحتكرها الشائخون، لكنه خلاصة تجربة العيش الطويلة، ودروسها الصعبة التي رسخت في النفوس، وهذبت رد الفعل تجاه حقائق الواقع وهواجس القادم.

لقد تعلم كبار السن العيش مع وهن الجسد، وتعلموا أيضاً كيف يعيدون صناعة أحلامهم، ورؤيتها تتحقق في نجاحات الأبناء والأحفاد، وتعلموا الزهو بمنجز الآخر بدل الغيرة منه، وانغمسوا في متعة العيش في العائلة ومن أجل العائلة. لذلك تجدهم الأكثر قدرة على التبسم في وقت الشدة، والأقل خوفاً من العواقب، لأنهم الأقل خوفاً من الموت.

سينقضي هذا الزمن، وستعود الحياة إلى طبيعتها، وتستعيد كل ما فيها من صراع، ويصبح وباء كورونا مجرد حقبة صعبة في التاريخ البشري المعاصر، الذي يكتبه السياسيون بطريقتهم، وبكل ما لديهم من قدرة على ترويج الوهم، وسيوثقه الأدباء بصدقية كبيرة في التفاصيل، مثلما فعلوا بعد وباء الطاعون وغيره من الأوبئة التي اجتاحت هذا العالم الصغير في أزمان سابقة.

سنقرأ، أو تقرؤون روايات عن الحب في زمن كورونا والحرب في زمن الفيروس، وسنقرأ، أو تقرؤون سرديات كثيرة عن العزلة، وأوقات الحجر، والأحلام المؤجلة، أو الموؤودة، وربما يتضمن المنتج الإبداعي أيضاً، أشكالاً مختلفة لسيناريوهات نهاية العالم، وسينشغل النقاد في محاكمة النصوص القادمة بكل ما فيها من واقعية أو خيال، وسيظل السؤال الأهم في كل هذه الأعمال، هو ذلك المتعلق بمصدر الوباء وسببه. هل كان كورونا نتاجاً للطبيعة أم كان من صناعة البشر، في سياق حروبهم!

بالطبع، لن يعرف الروائيون إجابة السؤال، ولن يكشف السياسيون ما يعرفون، وسيظل كورونا لغزاً كبيراً ومادة جاذبة للمبدعين الذين سيقدمون أعمالاً عابرة للحدود وللغات، وسيكون علينا، أو عليكم الانخراط في الجدل حول مصدر الفيروس اللعين، وهو جدل لن ينتهي بكشف الحقيقة، وسيكتفي العالم بتسجيل الوباء كفعل مجهول.

لم يكن فأراً صغيراً هو الذي قتل الملايين بالطاعون، ولن يكون خفاشاً صغيراً هو الذي أشاع الموت في عالم الألفية الثالثة.. لكن لا أحداً يعرف الحقيقة.

هل هذا رأي؟ ربما. لكنني أجاهر به لأنني أقل خوفاً من الموت.




T+ T T-