الإثنين 1 يونيو 2020
موقع 24 الإخباري

بعد 72 عاماً.. كيان يشنق نفسه

مشاهد من النكبة.(أرشيف)
مشاهد من النكبة.(أرشيف)


بات هذا الشعب سواء أكان في مناطق الاحتلال عام 1948 أو الضفة وغزة، منصة ثابتة لهذا الاحتلال للصعود إلى الهاوية أو الصعود إلى المشنقة
قام الفكر الصهيوني على قاعدة تحويل الديانة اليهودية إلى قومية والبحث لهذه القومية عن أرض تُقيم عليها وتعيش فيها، وتطور بعد ذلك للمطالبة بإقامة دولة لهذه "القومية – الدينية".

 وتعود جذور هذه الفكرة، لا كما يعتقد الكثيرون إلى تيودور هرتزل، بل إلى د. ليو بنسكر (1812-1891) واسمه الحقيقي يهوذا لايب الذي بلور فكرته في كتاب "التحرر الذاتي"  "Auto Emancipation " الذي كتبه في عام 1882 وطالب فيه بحل المشكلة اليهودية، ومن أبرز ما جاء في ذلك الكتاب أن اليهود أينما وجدوا ينظر إليهم على أنهم غرباء، ومن أجل ذلك كانوا يُحتقرون، وأن التحرر الحقيقي هو في خلق قومية يهودية للشعب اليهودي، ليعيش هذا الشعب على أرض موحدة ومحددة.

ووضع بنسكر آلية لتنفيذ فكرته والتي تتمثل بعقد مؤتمر يهودي عالمي، هدفه شراء أرض تستوعب استيطان ملايين عدة من اليهود، دون أن يحدد فلسطين مكاناً لها.

ونظراً إلى أهمية كراس "التحرر الذاتي"، ووفقاً لبحث منشور في مجلة الدراسات الفلسطينية للباحث سميح شبيب تحت عنوان ( الاستيطان والهجرة في الفكر الصهيوني 1864-1939 ). فقد اعترف ثيودور هرتزل بقيمة هذا الكراس ودوره وذكر بأنه لم يطلع عليه إلا بعد نشر دعوته لقيام الدولة اليهودية عام 1896 وأضاف هرتزل أنه لو اطلع عليه من قبل لما وجد هناك مبرراً لنشر آرائه المشابهة في كراس "الدولة اليهودية".

رغم تبلور فكرة واضحة على يد تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية لحل ما سمي "المسألة اليهودية" إلا أن عقدتي الجغرافيا والديمغرافيا بقيتا هما الهاجس الأكبر لتلك الحركة وشكلتا نوعاً من التباين والخلاف بين قيادات الحركة الصهيونية، ومن أبرز تلك الخلافات ما كان بين حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي حيث كان الأخير يطمح إلى أن تكون الدولة اليهودية أكبر بكثير من أرض فلسطين التاريخية وكان معارضاً وبشدة لخطة التقسيم التي عرضتها لجنة بيل عام 1937، ودعا إلى رفض الاكتفاء بإقامة (إسرائيل) على أرض فلسطين التاريخية وحدها بل كان يدعو إلى مدها للأردن وما يسمى "صحراء سوريا" والتي تضم أراضي بادية الشام وغرب العراق.

ومن أبرز المشاريع التنفيذية للحركة الصهيونية لصناعة "إسرائيل" والعمل على تحويل "الخرافة إلى حقيقة"، كانت الوكالة اليهودية التي أخذت على عاتقها هي والصندوق القومي اليهودي عمليات شراء الأراضي من بقايا باشاوات الاقطاع العثماني، وأغلبهم من أسر وعوائل لا علاقة لها بفلسطين، وتهجير اليهود إلى "أرض الميعاد" وبخاصة من شعوب "الخزر" في أوروبا الشرقية والقليل من السفارديم أي اليهود الشرقيين والقليل جداً من اليهود العرب من اليمن والعراق ومصر.

 كان وما زال المخطط الصهيوني يهدف ويرتكز على تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين من خلال الأعمال الإجرامية – الإرهابية وزرع غيرهم من اليهود أو أشباه اليهود. وخلال تنفيذ هذه العملية التي تعد أكبر عملية تطهير عرقي وديني في التاريخ الحديث، تم فيها ووفقاً لعلا عوض، رئيسة الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني تشريد 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948، في 1300 قرية ومدينة، وهجُروا إلى الدول العربية المجاورة، والضفة الغربية وقطاع غزة، كما سيطر الاحتلال خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، وتم تدمير 531 منها بالكامل، وما تبقى تم إخضاعه لكيان الاحتلال وقوانينه، ورافقت عملية التطهير هذه اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطيني.

ورغم كل ما خُطط له ورغم كل الفظائع التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني وبعد 72 عاماً من تاريخ أسود ملوث بالقتل والتنكيل فشلت دولة الاحتلال والحركة الصهيونية في "إلغاء الشعب الفلسطيني" وتحديداً داخل أراضي الـ 48 التي تحول فيها الفلسطينيون العرب إلى "شوكة في حلق" الاحتلال، وها هي اليوم وبعد هذا الزمن الطويل الذي اعتقد فيه الصهاينة أن مشروعهم قد شارف على النجاح، تأتي الحقائق لتصدمه من جديد بعدما أشارت الإحصاءات إلى أن الفلسطينيين تضاعفت أعدادهم منذ نكبة عام 1948،  تسع مرات، ووصل العدد الإجمالي لهم حول العالم إلى أكثر من 13.4 مليون نسمة، وبات يشكل الفلسطينيون داخل دولة الاحتلال رقماً صعباً للغاية في مواجهة السياسة الاسرائيلية سواء على صعيد الحقوق الأساسية لهم داخل هذا الكيان أو في مواجهة سياساته تجاه أشقائهم في الضفة الغربية وغزة والشتات.

ان دولة الاحتلال وتحديداً في ظل سياسات الليكود والقوى اليمينية المتطرفة المتحالفة معها والتي ترفض القبول بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ومن أبرزها إقامة دولة فلسطينية مستقلة تواجه اليوم مأزقها التاريخي المتمثل بفشلها في إلغاء الشعب الفلسطيني وإن كانت قد سيطرت على أرضه والتي لا تملك مشروعاً يحميها من خسارتها وخسارة يهوديتها "المُصنعة". فقد بات هذا الشعب سواء أكان في مناطق الاحتلال عام 1948 أو الضفة وغزة، منصة ثابتة لهذا الاحتلال للصعود إلى الهاوية أو الصعود إلى المشنقة .
T+ T T-