الأربعاء 21 أكتوبر 2020
موقع 24 الإخباري

بنين ترمم معالمها لإبراز حِقب أليمة من تاريخ العبودية

تشهد مدينة ويده الساحلية الصغيرة ورشة كبيرة، ففي حين يحطم مناهضو العنصرية حول العالم تماثيل مرتبطة بحقبة الاستعباد، قررت بنين ترميم معالمها لتخبر عن صفحات أليمة من تاريخ الإتجار بالرقيق والاستعمار.

وفي القلعة البرتغالية الكبيرة في وسط هذه المدينة التاريخية، جُمع أكثر من مليون رجل وامرأة وطفل (بحسب أرقام جامعة ييل)، بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، قبل نقلهم عبر المحيط الأطلسي.

ويضم المبنى في العادة متحف التاريخ في المدينة، لكنه اليوم متوارٍ خلف ألواح زرقاء من الصفيح، وفي الداخل، ينشغل عشرات العمال من الصباح حتى المساء تحضيرا لافتتاحه المقرر في نهاية العام.

ويقول وزير السياحة في بنين، جان ميشال أبيمبولا:"بانتظار انتهاء الأشغال، نُقل جزء من مجموعة المتحف إلى (دار البرازيل) لعرضه هناك في معرض مؤقت".

ويستقطب المعرض الذي انطلق في الثالث من أغسطس (آب)، الكثير من المؤرخين والمقيمين في بنين وأهالي ويده، بينما يأمل الجميع هنا في عودة السياح إلى البلاد بعد أزمة فيروس كورونا المستجد.

وخلف واجهات زجاجية عند البهو الكبير، توجد خرائط وأطالس للملاحين البرتغاليين، وبنادق كان يستخدمها الجيش الملكي.

يمكن للزوار أيضاً معاينة هياكل مذابح الصلاة المحمولة المستخدمة في احتفالات ملوك داهومي القديمة، أو الجرس الذي أحضره المرسلون الكاثوليك الأوروبيون، وكذلك الأغلال والسلاسل التي استُخدمت لربط العبيد.

ويقول بونوا داوندو الموظف في الأمم المتحدة في الكاميرون، خلال إجازة يمضيها في مسقط رأسه في بنين: "عندما أرى هذه السلاسل التي كانت تستخدم لتقييد أسلافنا، أشعر بالألم. لكن هذا تاريخنا. علينا أن نقبله ونرويه للأجيال المقبلة".

ويضيف بتأثر واضح: "أطفالنا لا يعرفون شيئاً عن هذا كله. يجب تدريس حقبة الاستعباد في المدارس من دون أن يقتصر الأمر على بضعة دروس".

كما حضر أولريش لانتونكبودي، المحامي في كوتونو المتحدر من ويده، لرؤية هذا المعرض بعد سماعه عنه على شبكات التواصل الاجتماعي. وهو يشير إلى أنه أتى إلى المكان لأنه يبحث عن "عناصر ومعلومات عن ثقافة وتاريخ عائلته".

ويقول المحامي بعد الزيارة "أقدّر هذا المعرض بقدر ما أقدّر فكرة إعادة بناء القلعة البرتغالية للسماح بحفظ هذا التاريخ".

بفضل هندستها المعمارية الإفريقية - البرازيلية وشواطئها المليئة بأشجار جوز الهند، كانت مدينة ويده مركزاً رئيسياً لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي وهي اليوم في قلب مشروع تنمية السياحة في بنين الذي أطلقه الرئيس باتريس تالون سنة 2016.

ويوضح وزير السياحة أن بنين تعمل على "تنمية السياحة الرامية للإضاءة على الاستثناء الثقافي لبنين"، مشيراً إلى أن الميزانية المخصصة لها تبلغ مليار يورو للاستثمار على المستوى الوطني.

وأعادت البلاد تأهيل منتزه بينجاري الوطني في شمال بنين لجذب عشاق رحلات السفاري، وهي تبني حاليا متاحف كثيرة عن الفودو أو مملكة داهومي السابقة، وقد طلبت أيضاً من فرنسا استرداد قطع أثرية مرتبطة بهذه الحقبة نُهبت خلال الحروب الاستعمارية.

لكن توسع أنشطة المجموعات الإسلامية المتشددة في المنطقة أوقف تطور السياحة الأوروبية في غرب إفريقيا في السنوات الأخيرة، وتفاقم الوضع بسبب وباء كوفيد-19، مما دفع بنين إلى التعويل على السياحة الإقليمية.

ويقول مسؤول في الوكالة الوطنية لتعزيز التراث والسياحة إن "السوق النيجيرية في ويده هو الذي نستهدفه كأولوية".

وفي الواقع، فإن لاغوس العاصمة الاقتصادية لنيجيريا، الجارة العملاقة التي يبلغ عدد سكانها مئتي مليون نسمة، تبعد فقط مئة كيلومتر عن ويده ويشترك البلدان في تاريخ واحد من العبودية إلى الاستعمار.

بالإضافة إلى ما تملكه المنطقة من شواطئ جذابة، قررت وزارة السياحة التركيز على قضايا الذاكرة من خلال إعادة تأهيل القلعة البرتغالية، ولكن أيضاً عبر الإضاءة على مسار العبيد الذي يؤدي إلى "بوابة اللاعودة"، حيث كانت ترسو السفن الجاهزة لعبور المحيط الأطلسي.

كما ستستضيف المدينة الصغيرة المتحف الدولي للذاكرة والرق، وهو قيد الإنشاء حالياً، بالإضافة إلى مجمع سياحي كبير من 130 غرفة يتمحور حول الموضوع عينه، مع "حدائق للذاكرة"، ومنطقة للتأمل، و"إعادة البناء التاريخي لسفينة الرقيق" قبالة المحيط.

ويقول إريك أكرومبيسي المرشد السياحي المولود في ويده "نحتاج إلى عمل قوي، يتجاوز الحركات المؤيدة لقضايا السود"، معتبراً أن "تجديد هذه الأماكن سيوضح بشكل أفضل نسيج التاريخ لنقله إلى الأجيال المقبلة".
T+ T T-