الخميس 1 أكتوبر 2020
موقع 24 الإخباري

مثقفون باتجاه واحد!!!



عقب خطوة الإمارات الشجاعة بعقد سلام مع إسرائيل يضع مصالح الفلسطينيين في صدارة أولوياته، ظهرت دعوات من بعض المثقفين العرب إلى الانسحاب من الفعاليات الثقافية الإماراتية، وإيقاف تمويل دولة الإمارات لبعض الجوائز الإبداعية التي أصبحت الأهم في نوعها في العالم العربي بحكم الموقع الفعال والمؤثر للدولة في الثقافة العربية، والكفاءة التي يدار بها العمل الثقافي، والبيئة الثقافية الإماراتية الجاهزة لقبول كل المنتجات الثقافية والإبداعية الرفيعة والجهود الأكاديمية في ظل ما تتسم به من حيوية وتنوع.

مبدئياً، لن أجادل في حق أيٍّ مَنْ كان في اتخاذ الموقف الذي يروق له. لكن هناك عدداً من الملاحظات التي تلقي الضوء على جوانب أخرى للقضية، سأحاول إجمالها في عدد من النقاط على النحو التالي:
أولاً: كان من الممكن لدولة الإمارات أن تقصر عضوية لجان التحكيم على مثقفيها وكُتابها ونقادها، أو تجعل منهم الأغلبية في لجان التحكيم وأن تمنحهم فرصاً أكبر للوصول إلى القوائم القصيرة والطويلة ومنصات الفوز، لكن الدولة تنظر إلى الثقافة من بعد إنساني يرى في كل كاتب ومثقف وباحث وأديب وصاحب مشروع إضافة مهمة، وأنه يجب تهيئة أفضل الظروف من أجل مساعدته على تقديم أفضل ما عنده، ولاسيما حين يتعلق الأمر بالمثقفين العرب الذين تحول ظرف بلدانهم دون تقديم الدعم الكافي لهم..
ثانياً: تنتمي قائمة المقاطعين والمهاجمين إلى بلدان عربية مختلفة، وإلى اتجاهات فكرية وتيارات سياسية وإبداعية مختلفة. ولم تكن اتجاهات هؤلاء الكتاب والنقاد والمبدعين غائبة عن المؤسسات الثقافية الإماراتية حين اختارتهم للمشاركة في لجان التحكيم أو الوصول إلى القوائم القصيرة أو التتويج بالجوائز. وينطلق هذا السلوك الإماراتي من حرص على التنوع وتمثيل كل الآراء والأطياف الثقافية في العالم العربي، وإيمان بأن التنوع قوة وثراء وحيوية للثقافة العربية ككل.

ثالثاً: إن الجوائز الثقافية والفكرية في دولة الإمارات ذات تاريخ يعود إلى عقود، وقد شارك في التنافس عليها وفي لجان تحكيمها آلاف من المفكرين والأكاديميين والمبدعين العرب، وعدد من تقدَّموا لهذه الجوائز يبلغ عشرات الآلاف على أقل تقدير. ومن الواضح أن بضع عشرات من المواقف الغاضبة والصاخبة ودعاة المقاطعة والانسحاب لا يجب أن تخفي عشرات الآلاف من المواقف التي أديت، صراحة وضمناً، موقف دولة الإمارات الذي يرى في السلام حلاً واعداً في منطقة ابتليت بالحروب والصراعات.

رابعاً: متى كانت المقاطعة الثقافية حلاً لأي مشكلة؟ وكيف تصدر الدعوة إلى قطع قنوات التواصل والحوار وإقامة السدود والحواجز الثقافية من مثقفين عرب يُنتظر منهم أن يكونوا الأكثر حرصاً على الحوار وتبادل الأفكار والاختلاف في إطار من الاحترام والتقدير؟ وللتذكير، فإن مقاطعة سابقة للثقافة المصرية بعد عقد معاهدة كامب ديفيد عام 1979- في ظل صراخ عصابي ومزايدات كاذبة - قد تركت نتائج سلبية وأحدثت فجوة أضعفت الثقافة العربية بأكملها. وللتذكير أيضاً، فقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بشجاعته المعهودة هو أو من دعا إلى إنهاء هذا الوضع الغريب.

خامساً: لقد سعت الجوائز الثقافية الإماراتية التي تخرج بأفضل صورة ممكنة، إلى توفير فرصة للمبدعين والمثقفين والباحثين العرب من كل الجنسيات، للظهور في دائرة الضوء، ومنح أعمالهم وجهودهم فرصة للوصول إلى جمهور أكبر وأسع. وبالفعل، كان الحاصلون على الجوائز الإماراتية يصلون إلى قطاعات واسعة من الجمهور في العالم العربي كله، وتلقى أعمالهم اهتماماً كبيراً. كما استطاعت هذه الجوائز اجتذاب شرائح من الجمهور إلى ساحة الثقافة والإبداع من خلال التغطيات الإعلامية الناجحة والإعداد المتقن.

إن رسالتي هذه موجهة إلى مثقفين عرب وجدوا في الإمارات كل الترحيب والتقدير، وأظنهم يحتاجون في هذه المرحلة الدقيقة إلى مزيد من التفكر والتأمل، وإلى مراجعة جادة للأفكار والمواقف التي أنجزها مثقفون عرب كبار، تجاوزوا بوعي ما كانوا يرونه مسلمات فكرية وثقافية لا تقبل الجدل، ولا أشك أنهم بعد ذلك سيكونون أكثر قدرة على تقييم الموقف بحكمة وروية، وسيتمكنون بعدها من الانخراط معنا في مشاريع ثقافية كبرى، تولي الشباب أهمية كبرى، فهم الذي يصنعون المستقبل ويضعون لبناته.

لقد آن الأوان أن نستمع إلى صوت العقل ونغلب الحكمة في كل ما نتخذه من قرارات، وأن نحرص على أن يعيش أبناؤنا في عالم يسوده الأمن والسلام، وفي مجتمع مبني على التسامح وقيم العيش المشترك. وحسبنا أن نطلع على ما يفكر به الشباب والجيل الناشئ في عالمنا العربي، وما يكتبونه في منصات التواصل الاجتماعي، وما يعبرون عنه من توقٍ إلى حياة وديعة آمنة بعيدة عن كل ما ينغص عيشهم، لكي نعمل بجد وإخلاص من أجل تحقيق أحلامهم.

على الجانب الآخر، يستغرب المرء وجود بعض المثقفين، والحمد لله أنهم قلة، ممن تقودهم الكراهية والعداء المطلق. فالمثقف بالنسبة لنا منزّه عن أن يحمل في قلبه الكره والحقد لأحد. فكيف إذا بلغ الأمر ببعض مدعي الثقافة أن يطالبوا بإعداد "قوائم سوداء" تضم كل المثقفين والمبدعين الذين يتمسكون بعلاقاتهم بدولة الإمارات ويرفضون الانسحاب من المشاركة في أنشطتها وجوائزها الثقافية والفكرية. إنه نوع من ممارسة الإرهاب الفكري ضد المثقفين العرب، ومصادرة حريتهم في اختيار المواقف السياسية والفكرية التي يتبنونها. ومثل هذه المحاولات البائسة لا تصل بأصحابها إلى شيء، بل تكشف عوارهم الفكري وتناقضاتهم وأزماتهم التي ستمضي بهم إلى نهايتهم.
T+ T T-