الخميس 1 أكتوبر 2020
موقع 24 الإخباري

عشرات الآلاف من الإرهابيين برعاية تركية

مرتزقة أجانب في ليبيا (أرشيف)
مرتزقة أجانب في ليبيا (أرشيف)


مخطئ من يتصور أن الأثر السلبي لعمليات تجنيد المرتزقة من جانب تركيا من أجل القتال في ليبيا سوف يقتصر أثرها على إطالة أمد الصراع في ليبيا وإزهاق أرواح أبنائها واستنزاف مقدراتها الاقتصادية، على النحو الذي نراه الآن. وهذا الثمن الفادح الذي يتكبده بلد عربي شقيق، ابتُلي بحكم ميليشيات جماعة الإخوان الإرهابية، لن يكون إلا "دفعة أولى" يتلوها تكاليف قد تكون أكثر فداحة وأشد وطأة وأطول زمناً.

فحسب التقارير الدولية الموثوقة، فقد تورط نظام أنقرة، الذي فقد صوابه، في نقل نحو عشرين ألفاً من المرتزقة السوريين ليقاتلوا في ليبيا إلى جانب عصابات "الوفاق" والميليشيات الإخوانية التابعة لفايز السراج وأذنابه، ويضاف إليهم عشرة آلاف مرتزق آخرين من جنسيات مختلفة، قدم معظمهم من بلدانهم إلى سوريا بفعل التطرف الديني وارتكبوا فظائع وجرائم ممعنة في العنف والقسوة خلال أعوام من القتال الشرس فيها. ولاتزال عملية تجنيد المرتزقة قائمة على قدم وساق في انتظار اشتعال القتال من جديد في ليبيا بعد أن ثبت أن ما عرضته عصابات السرّاج من وقف إطلاق النار لم يكن أكثر من خدعة لالتقاط الأنفاس، وانتظاراً إلى وقت يكون فيه استئناف القتال في مصلحة أردوغان وتخفيفاً لما يواجهة من فشل وهزائم متوالية داخل تركيا وخارجها.

القتال في ليبيا سينتهي لا محالة، وسوف يتكفل أبناء ليبيا الشرفاء رافضو الاحتلال العثماني الجديد بدحر ميليشيات السراج وتركيا والمرتزقة الذين اجتلبتهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه سيكون: ما مصير عشرات الآلاف من المرتزقة الذين نقلتهم تركيا مدفوعين بأيديولوجيا التطرف والإرهاب، ومزودين بتدريب عسكري وخبرات قتالية كبيرة، ورغبة حارقة في الانتقام والتدمير بعد دحرهم في ليبيا؟ فهولاء لن تستقبلهم أي دولة، ولا حتى تركيا التي شحنتهم إلى بلد لا يعرفونه من أجل تنفيذ مآربها الخبيثة وتركتهم لمصيرهم.

الجواب أنه لا طريق أمامهم إلا أن يتحولوا إلى أدوات قتل، كما فعل من سبقوهم على طريق "الجهاد" المزعوم ممن اكتوت دولهم وغيرها بجرائمهم بعد عودتهم المشؤومة عقوداً. وسوف تجد جماعات مثل "داعش" و"القاعدة" وفروعهما في العالم العربي وخارجه رصيداً هائلاً من المتطرفين الجاهزين تماماً لممارسة أبشع أشكال الإرهاب، ويمكن لهؤلاء المرتزقة أيضاً أن يشكلوا خلاياهم وتنظيماتهم الخاصة بهم بفعل ما ينشأ بينهم من علاقات وصلات. وإذا عرفنا أن كل جيل من الجماعات الإرهابية كان أشد فتكاً من سابقه، فلنا أن نتوقع حجم ما سنواجهه من تحديات.

لا تكترث تركيا لما ينجم عن سلوكها من كوارث محققة، وإذا كان ملف المرتزقة الذين تستخدمهم في ليبيا جريمة بحد ذاته، فإن داخل هذه الجريمة جرائم أخرى. فوفقاً لـ"المرصد السوري لحقوق الإنسان"، كان بين المرتزقة الذين نقلتهم تركيا إلى ليبيا 350 قاصراً، ولقي 34 منهم على الأقل حتفهم خلال معارك الأشهر الماضية. وكثير من هؤلاء الأطفال جندتهم تركيا تحت ضغط الحاجة والفقر المدقع، أو تحت غطاء من التضليل وتزييف الوعي لمراهقين لم يتبلور وعيهم بعد. ومن ستُكتب له النجاة من ويلات الحرب من هؤلاء الأطفال الذين سُرقت براءتهم، ولم يعرفوا من عمل سوى القتال الذي جُروا ليه جراً، ليس لديه من خيار غير الالتحاق بجماعات الإرهاب.

والمتضرر الأول من جماعات الإرهاب المنتظرة هذه هي الدول العربية بشكل أساسي، كما أوضحت التجارب السابقة. ومن ثم فإن التصدي للمخططات التركية في ليبيا هو إنقاذ للعالم العربي من خطر الإرهاب المحتمل، وإنقاذ لبلد عربي شقيق من براثن الدمار والإرهاب العثماني يرتبط دخوله إلى أي بلد عربي بالخراب والدمار، بمساعدة من جماعة الإخوان الإرهابية الذين لا يرون لهم دوراً في المستقبل إلا عبر هدم الدولة ومؤسساتها في العالم العربي، وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار.

تركيا اليوم تجد نفسها محاصرة بعد حديث الرئيس الفرنسي ماكرون عن أن ثمة خطوطاً حمراء لا يمكن لتركيا أن تتجاوزها في منطقة شرق المتوسط، في الوقت الذي أعلن فيه جوزيب بوريل الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي عن توجه الاتحاد إلى فرض عقوبات على تركيا بسبب سلوكها غير المقبول في منطقة شرق المتوسط ضد قبرص واليونان، وهكذا تبدو الفرصة مواتية للدول العربية لممارسة مزيد من الضغوط على نظام أردوغان حتى يسحب مرتزقته من ليبيا ويكف عن التدخل في كل ما يمس أمن الدول العربية. 
T+ T T-