السبت 24 أكتوبر 2020
موقع 24 الإخباري

مئات المتضررين من انفجار بيروت يقاضون الدولة

لبناني يشد على رأسه بعد انفجار مرفأ بيروت (أرشيف)
لبناني يشد على رأسه بعد انفجار مرفأ بيروت (أرشيف)
بعدما فقد والده في انفجار المرفأ الموّع، يعتزم الشاب إيلي الحصروتي تقديم شكوى قضائية ضد الدولة اللبنانية على غرار مئات المتضررين وعائلات ضحايا الفاجعة التي غيرت وجه بيروت.

ومع علمه أن الشكوى لن تعيد إلى الحياة لوالده غسان، الموظف في غرفة التحكم في صوامع القمح منذ نحو 4 عقود، إلا أنه يعتبر أن تحقيق العدالة ضروري لمنع تكرار الكارثة.

ويقول المهندس الشاب: "نخطط للتحرك قانونياً.. لسبب بسيط هو أن ما جرى لا يخص الناس الذين غُدروا جراء الإهمال، بل يتعلق بنا نحن الباقين في هذا البلد والراغبين في العيش فيه بكرامة".

ويضيف "يجب أن تُحدد المسؤوليات وكل سلوك أوصل الى هذا الوضع لمعالجته واتخاذ التدابير الكفيلة بردع أي تصرف مماثل في المستقبل".

وكان والد إيلي بين أكثر من 190 قتلوا جراء انفجار 4 أغسطس (آب) في مرفأ بيروت، الذي تسبب أيضاً في إصابة أكثر من 6500 شخص بجروح وشرد نحو 300 ألف من سكان بيروت من الذين تضررت منازلهم ومؤسساتهم أو دُمرت.

وعزت السلطات الأمر إلى تخزين كميات هائلة من نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 منذ أكثر من 6 أعوام  دون إجراءات وقاية.

وتصدّرت مأساة عائلة الحصروتي وسائل الإعلام، بعدما بقي غسان في عداد المفقودين أسبوعين. وعاشت أسرته فترة عصيبة حتى انتشال جثته من تحت الأنقاض.

وأثار الانفجار غضباً واسعاً في لبنان، خاصةً بعدما تبين أن مسؤولين على مستويات عدة، حكومية وقضائية وأمنية، كانوا على دراية بمخاطر تخزين مادة مماثلة في المرفأ.

ويؤكد إيلي أن الشكوى لا تهدف إلى "الاقتصاص" من المسؤولين، إنما إلى "معالجة الأسباب التي أودت إلى هذه المجزرة".

ويسأل "ما النفع إذا بالمفهوم القانوني حوكم من سيتبين أنهم مذنبون ولم تتغير طريقة الأداء" الرسمي؟

وعائلة غسان الحصروتي هي واحدة من بين 1228 عائلة كلفت حتى الآن نقابة المحامين في بيروت بتقديم شكاوى قانونية في قضية الانفجار.

وتتولى النقابة التدقيق في الملفات والتأكد من تضمنها المستندات اللازمة قبل توكيل محامٍ لتقديم الشكوى إلى النيابة العامة التمييزية، أو لدى المحقق العدلي القاضي فادي صوان، الذي يحقق في الانفجار.

ولا يمكن وفق القوانين اللبنانية تقديم شكوى جماعية باسم المتضررين، لذلك سترفع كل دعوى منفصلةً.

جريمة مأساوية
ويقول نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف الذي يقود جيشاً من المحامين المتطوعين المكلفين بأعداد الملفات: "أمام جريمة مأساوية من هذا النوع لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي.. أمام هذا الهول نحن طلاب عدالة، العدالة لكل الناس".

ويضيف "نحاول أن نقول للناس لستم وحدكم، نحن لا نطلب انتقاماً بأي شكل من الأشكال. لا نريد إلا العدالة وهذا حق من الحقوق الأساسية للإنسان".

وبدأت النقابة تلقي الطلبات إثر الانفجار من العائلات المتضررة عبر 7 مراكز ميدانية أقامتها في الأحياء المنكوبة، تطوع فيها 400 محام، وفق خلف.

ويتولى 200 محامي آخرين تقديم المساعدة القانونية.

وتعاونت مع نقابة خبراء التخمين العقاري، التي تطوع 468 من خبرائها لتقييم الأضرار المادية التي لحقت مقدمي الشكاوى.

على شاشة حاسوب كبيرة في مكتبه داخل غرفة العمليات في نقابة المحامين، يتابع المحامي علي جابر مراحل تقدّم الملفات، التي لا تزال قيد الدرس أو التي دقق فيها ورفعها إلى خلف لتوكيل محام لمتابعة القضية مجاناً.

وتهدف الدعاوى أمام القضاء بداية إلى "تحديد المسؤوليات"، وعند صدور الأحكام من المراجع المختصة يُمكن للمدعين المطالبة عبر دعاوى أخرى بالتعويضات المناسبة، وفق جابر.

وتُظهر إحصاءات يستعرضها عبر الشاشة كيفية توزع مقدّمي الشكاوى. ويتبيّن أن نحو 82% منها مقدمة من أشخاص تضرروا مادياً. ويحل في المرتبة الثانية الذين لحقت بهم أضراراً مادية وجسدية في آن معاً بنسبة 7.49%. أما نسبة مقدمي الشكاوى الذين فقدوا أحد أفراد عائلاتهم فبلغت 1.12%.

وتحقّق السلطات، التي رفضت أي تحقيق دولي، في أسباب الانفجار وملابساته.

وشارك محققون فرنسيون، وأمريكيون في التحقيقات الأولية. إلا أنه بعد 7 أسابيع من الانفجار لم تعلن السلطات نتائج التحقيقات التي تجريها.

وأوقف 25 شخصاً في القضية بينهم كبار المسؤولين عن إدارة المرفأ وأمنه، بينما يستمع المحقق العدلي تباعاً لمسؤولين سياسيين وأمنيين، بينهم وزراء تعاقبوا على الوزارات المعنية، وقادة أجهزة أمنية.

وقالت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته بعد شهر من الانفجار: "بات من الواضح على نحو متزايد أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية... ليست مستقلة ولا حيادية" مجددة دعوتها إلى "إنشاء آلية دولية لتقصي الحقائق لضمان حقوق الضحايا في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإتاحة سبل الإنصاف".

إفلات من العقاب
ويبدي لبنانيون كثر شكهم في استقلالية القضاء، في بلد يقوم على المحاصصة والتسويات وتسود فيه ثقافة الإفلات من العقاب. وغالباً ما يكون القضاة الذين ينظرون في قضايا كبرى عرضة لضغوط قوى سياسية نافذة.

ويقول خلف متوجهاً للقوى السياسية: "ارفعوا أيديكم عن القضاء. هذه الفاجعة أصابت كل الناس ولا يمكن إدخال جريمة بهذا الحجم في تجاذبات سياسية".

ويضيف منتقداً "بعد قرابة 50 يوماً من الانفجار، لم يصلنا أي تقرير تقني بعد"، مشدداً على أن"معرفة الحقيقة والعدالة تريح الناس وتمكنهم من العيش بطمأنينة".
T+ T T-