الأربعاء 21 أكتوبر 2020
موقع 24 الإخباري

إيران تُساهم في اندثار الديانة التوحيدية الأولى في العالم

 معبد للديانة الزرادشتية في مدينة يزد الإيرانية. (أرشيف)
معبد للديانة الزرادشتية في مدينة يزد الإيرانية. (أرشيف)
سلّط الكاتب الايراني كوروش زيباري على السياسات الإيرانية التهميشية تجاه أتباع الديانة الزرادشتية ما يُعرّض الديانة التوحيدية الأولى في العالم لخطر الزوال.

على الايرانيين أن يعوا حقيقة أن تراثهم التاريخي والثقافي آخذ في التلاشي، ما قد يؤدي إلى انفصال وشيك بين الأجيال المقبلة من الإيرانيين وهويتهم
ورأى زيباري، في مقال في صحيفة "آسيا تايمز"، أن تلاشي هذا المجتمع القديم هو مأساة ليس فقط لإيران، ولكن للحضارة الإنسانية ككل، ويُشير إلى أن أتباع هذه الديانة أصبحوا منسيين في موطن أجدادهم، مع تقلّص أعدادهم الى نحو 52 ألفاً فقط في إيران التي يبلغ عدد سكانها 84 مليون نسمة.

الزرادشتية في ايران
نشأت الزرادشتية في إيران القديمة منذ 3500 عام، وهي كانت الديانة السائدة للإمبراطورية الفارسية حتى الفتح الإسلامي لبلاد فارس ابتداء من 633 بعد الميلاد، والذي قلب التكوين الثقافي والديني للأمة، وأدخل قيماً جديدة تستند إلى الشريعة الإسلامية، في مجتمع كان ينظر في البداية إلى الإسلام على أنه "غير مرحّب به".

ووفقاً لإحصاء أُجري في 2011، يعيش حوالي 25 ألف زرادشتي فقط في ايران. وبخلاف تمثيلهم في البرلمان الإيراني بنائب واحد من أصل 290 نائباً، وامتلاكهم بضعة معابد ومدارس، لا يتمتّع المجتمع الزرادشتي الإيراني برفاهية الموارد المتاحة للأغلبية المسلمة.

موارد مستنزفة
وأعرب كوروش نيكنام، وهو كاهن زرادشتي وعضو سابق في البرلمان، عن أسفه لموارد مجتمعه المستنزفة، قائلاً: "ليس لدينا الحقّ في وضع برامج حول ديننا. ليس لدينا منبر في الراديو أو التلفزيون للتحدّث عن ديانتنا. لا يُمكننا الحصول على أي ميزانية لبناء معبد جديد بينما يتمّ بناء المساجد باستمرار".

وتُمثّل "الأفكار الإيجابية والكلمات الطيبة والأعمال الصالحة"، الركيزة الأساسية لأيديولوجية الزرادشتيين. "إنهم مسالمون بشكل نموذجي، وبعض آثارهم الثقافية المحترمة مدمجة في أنماط حياة الشعب الإيراني، بما في ذلك المسلمون المتدينون"، وفقاً لزيباري.

في 2016، قدّرت قاعدة بيانات أن عدد الزرادشتيين لا يزيد عن 200 ألف شخص في جميع أنحاء العالم، ما يُنذر بمستقبل كئيب لعقيدة سبقت جميع الأديان الإبراهيمية في العصور القديمة، وحاضنة لثقافة قديمة تأسّست في ما نعرفه اليوم بإيران.

تغييب إعلامي

ورغم أنه وفقاً للدستور الإيراني يُعترف بالزرادشتية كدين رسمي يُمكن ممارسته من دون اضطهاد، إلا أن الحديث عن الزرادشتية ظلّ منعدماً في وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية، لحوالي أربعة عقود، وهو عمر حكم رجال الدين في إيران.

تتجنّب المحطات التلفزيونية والصحف الإيرانية الإشارة إلى العقيدة القديمة، خشية أن تُثير حفيظة المُتشدّدين الدينيين، ومجموعة من المنظّمات التي تُروّج للاسلام. كما تتعامل الكتب المدرسية والجامعية معها على أنها "غير فاعلة"، ويُسمح للزرداشتيين بنسخ 3 آلاف كتاب ديني كحد أقصى.

ميزانية ضئيلة

في 2015، بلغت الميزانية الحكومية المُخصّصة للمجتمع الزرادشتي 26 ألف دولار أمريكي، وهي ميزانية ضئيلة جداً ومُحرجة مقارنة بالتمويل الهائل الذي يملأ خزائن المنظمات الإسلامية. ويستشهد الكاتب في ذلك، بأنه في العام 2020، حصلت نقابة مؤلفة من 23 منظمة إسلامية وثقافية على مبلغ مذهل يُقدّر بـ 54 مليون دولار من الأموال العامة من حكومة الرئيس حسن روحاني.

قمع ثقافي وديني

كما تتحدّث تقارير عن حملات قمع ضدّ المهرجانات والتجمّعات الدينية لهذا المجتمع المهمّش. وفي بعض الأحيان، يتمّ الاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة، ولا يُمنحون أذونات لفتح معابد جديدة.
وفي 2010، اعتبرت الحكومة الإيرانية أن استخدام الزرادشتيون للمدارس التي يُديرونها، لإقامة الاحتفالات الدينية خارج ساعات العمل "أمر غير قانوني". كما اعتبرت الحكومة الايرانية نشر الدعاية الزرادشتية "جريمة"، دين بها عدد من أتباع الزرادشتية في السنوات الأخيرة.

وإذ رأى أن الزرادشتية لا تزال تتمتّع بوجود ديناميكي، حتى في إيران حيث يُعاني أتباعها من الإهمال والتمييز، اعتبر زيباري أن تناقص أعدادهم بشكل مُتزايد، وغيابهم المُقلق عن المجال العام، يدقّ ناقوس الخطر للايرانيين الذين يهتمون بتنوّع مجتمعهم وعدم تجانسه، وفي ارتباط إيران بمجتمعاتها.

وبما أن الماضي لا غنى عنه، حذّر زيباري من أن "مصيبة حضارية" على وشك الحدوث. وختم قائلاً: "على الايرانيين أن يعوا حقيقة أن تراثهم التاريخي والثقافي آخذ في التلاشي، ما قد يؤدي إلى انفصال وشيك بين الأجيال المقبلة من الإيرانيين وهويتهم".
T+ T T-