الأربعاء 25 نوفمبر 2020
موقع 24 الإخباري

جورجيا... ضحية أردوغان المقبلة في القوقاز

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الجورجي جيورجي جاخاريا (أرشيف)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الجورجي جيورجي جاخاريا (أرشيف)
اعتبر الأستاذ المُشارك في قسم العلوم السياسية في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية جيفورغ ميرزايان، أن جورجيا أحد البلدان التي يعتمد مستقبلها بشكل مباشر على حل النزاع في ناغورنو قره باخ، وستكون الضحية التالية للتوسع التركي في القوقاز، لكنها غير قادرة على فعل شيء لمنع ذلك.

الطريقة الأفضل لتبيليسي للمُضي قدماً، تطوير العلاقات مع بلد اقتطع جزءاً من أراضيه، أو أن يقع في قبضة تركيا، التي ستُسيطر على جميع الأراضي الجورجية الأخرى
ولحماية شعبها، تحتاج جورجيا إلى ما سبق وتخلّت عنه في السابق السيادة، وروسيا.

الحياد
في تحليل في صحيفة "فيزغلاد" الروسية، قال ميرزايان، على الصعيد الرسمي، لا تتدخّل تبليسي في الحرب الأرمنية الأذرية بسبب قره باخ، بل تُقدّم نفسها وسيطاً لتحقيق السلام. ويؤكد مالخاز ماتسابريدزه، مدير معهد العلوم السياسية في جامعة تبيليسي، أن "الحفاظ على الحياد في صراع الجيران، أمر حيوي لتنمية جورجيا المستقبلية، إذ أن البلاد تضم مجتمعات عديدة من الأرمن،جافاخيتي، والأذر ،كفيمو كارتلي، كما أن تبليسي وباكو لم تحلا الإشكال بينهما على مجمع دير الأرثوذكس ديفيد غاريجي".

"وتجبر هذه الوقائع قيادة جورجيا على استخدام آليات حماية مختلفة، لأن مشكلة قره باخ وتأثيرها على السياسة الخارجية، تنعكس أيضاً على الإستقرار الداخلي، والسلام بين الأعراق المختلفة في البلاد"، حسب الخبير الروسي في شؤون القوميات سيرغي ماركيدينوف.

انقسام داخلي
ومع اندلاع نزاع قره باخ، انقسمت الجاليات في جورجيا بشكل يُهدد الاستقرار فيها، إذ يتوق الأذر الجورجيون للقتال إلى جانب باكو، بينما يحول الأرمن الجورجيون الأموال لمساعدة قره باخ.

ومع ذلك، فإن التهديد الرئيسي لجورجيا ومستقبلها يكمن في سياسة القيادة الجورجية نفسها. وخلافاً لما قاله مالخاز ماتسابريدزه، لا تتّخذ جورجيا سياسة الحياد الصارم.

على الورق، حظرت السلطات الجورجية تماماً نقل البضائع العسكرية عبر البلاد بالطرق البرية والجوية في اتجاه أرمينيا وأذربيجان. ومع ذلك، لا تنطبق هذه القاعدة إلا على توريد البضائع من روسيا إلى أرمينيا. في حين تتنقل الرحلات الجوية المحملة بالأسلحة من تركيا وإسرائيل بحرية إلى أذربيجان، عبر المجال الجوي الجورجي.

صمت تبليسي
فلماذا تتّخذ تبليسي موقفاً مؤيداً لأذربيجان؟ هل لأن العمليات العسكرية الأرمنية تُهدّد أمن جورجيا؟ قد يؤدي تفاقم الأعمال العدائية إلى وصول قذائف قره باخ إلى خطوط الأنابيب الممتدة من أذربيجان عبر جورجيا، إلى تركيا وأوروبا، الأمر الذي لن يؤدي فقط إلى فقدان الدخل من العبور، ولكن أيضاً إلى مشاكل في توازن الطاقة في جورجيا نفسها، وهي التي تعتمد بشكل كامل على إمدادات الغاز الأذري لأسباب واضحة، إذ لا ترغب تبيليسي في شراء الغاز من روسيا. أم أن جورجيا ترى في دعم أذربيجان عنصراً من صراعها مع روسيا؟ فالأرمن حلفاء روسيا، وأكد وزير الخارجية الجورجي السابق تيدو غاباريدزه، أن على جورجيا وتركيا  "كبح" روسيا في البحر الأسود، والقوقاز.

التحليلان واقعيان، لكن السبب الرئيسي هو أن جورجيا اليوم تعتمد على تركيا وأذربيجان. وهو ما تجلى في صمت تبليسي على سقوط شظايا الطائرات دون طيار الأذرية وحتى القذائف الناجمة عن الصراع في قره باخ على أراضيها.

الماضي أم المستقبل؟
تصف الرئيسة الجورجية سالومي زورابيشفيلي أذربيجان بـ "الشريك التاريخي والاستراتيجي لتبيليسي". وعلى ما يبدو، فإن "الديبلوماسية السابقة في وزارة الخارجية الفرنسية تُعاني من مشاكل خطيرة مع التاريخ والجغرافيا السياسية لجورجيا، أو أنها تعتبر الاحتلال السياسي والاقتصادي المُبتذل شراكةً"، يقول ميرزايان.

وقال: "يجب استخدام هذه الكلمة لوصف الأنشطة النشطة لأنقرة وباكو على الأراضي الجورجية، إذ تُشارك تركيا بنشاط في أسلمة جورجيا، واحتلت أيضاً اقتصاد أدجارا، بين 70% و 75% من الاستثمارات تركية، والسوق الجورجية بأكملها، والشركات الأذرية هي أكبر دافع للضرائب في الميزانية الجورجية".

سيادة خجولة
تحاول جورجيا بخجل إثبات سيادتها، ففي تبيليسي، اعتقل أعضاء سابقون في اللجنة الحكومية بتهمة تخريب المصالح الجورجية بسبب محاولة النزاع الإقليمي على دير ديفيد غاريجي. ومع ذلك، هي مجرد ادعاءات عن قطع العلاقات مع روسيا وفشلها في تطوير العلاقات مع أوروبا والغرب إلى مستوى التعاون الاستراتيجي.

وفقدت جورجيا فرصة موازنة النفوذ الأذري التركي على أراضيها. ونتيجة لذلك، تتعرض البلاد لخطر الوقوع تحت سيطرة أنقرة الكاملة، وبعد ذلك ستتحول جورجيا، في أحسن الأحوال، إلى دولة تابعة لتركيا، وفي أسوأ الأحوال، إلى دولة ممزقة، فلن يكون السكان الأرمن في منطقة جافاخيتي الجورجية مستعدين للعيش في جورجيا، خاصة إذا أعلنت المناطق الجورجية المُوالية لتركيا معارضتها لأرمينيا علناً.

سيناريو كارثي
كما أن انتصار باكو في الحرب مع يريفان، الأمر الذي سيُظهر قوة المحور الأذري التركي وإفلاته من العقاب، يُقرّب تبيليسي من تحوّل هذا الكابوس إلى حقيقة. والطريقة الوحيدة التي ربما تمكّن جورجيا من تجنّب هذا السيناريو الكارثي، هي إيجاد عامل توازن للنفوذ التركي، وإعادة العلاقات مع موسكو.

ويقول ميرزايان: "العديد من السياسيين الجورجيين، غير مستعدين لتطبيع العلاقات مع روسيا دون حلّ نزاع أبخازيا، وأوسيتيا لصالح جورجيا. إنهم يطلبون من الكرملين أولاً إعادة هذه الأراضي إلى الدولة الجورجية، وهذا بالطبع لن يحدث. إنهم يُريدون من روسيا أن تُقدّم لهم تنازلات أحادية الجانب، وهذا لن يحدث أيضاً.و يزعمون أنها مسألة سيادة، وهم لا يملكونها".

شريك أصغر لأردوغان

إن انعدام السيادة مشكلة مشتركة بين شعوب القوقاز، أين يعتمد أمن ورفاهية أرمينيا ووجودها بشكل كامل على العلاقات مع موسكو، وهو أمر لا يفهمه بعض علماء السياسة في يريفان الذين يبحثون عن التنويع.

وتملك باكو موارد كافية لوجود سيادي، لكن النخب الأذرية حوّلت بلادها طواعية إلى شريك أصغر لأردوغان، وأداة لتحقيق الطموحات التركية.

كانت سيادة جورجيا موضع تساؤل من قبل قيادتها في التسعينيات، عندما انهارت البلاد بسبب قوميي تبليسي. لكن هذه مسألة عفا عليها الزمن، والقيادة الجديدة في حاجة إلى التطلع إلى المستقبل.

وختم ميرزايان قائلاً، إن الطريقة الأفضل لتبيليسي للمُضي قدماً، تطوير العلاقات مع بلد اقتطع جزءاً من أراضيه، أو أن تقع في قبضة تركيا، التي ستُسيطر على جميع الأراضي الجورجية الأخرى.
 
T+ T T-