الخميس 3 ديسمبر 2020
موقع 24 الإخباري

نحن شركاء في الجريمة

فرنسي يضع زهوراً أمام المدرسة التي ذُبح المدرس قريباً منها (أ ف ب)
فرنسي يضع زهوراً أمام المدرسة التي ذُبح المدرس قريباً منها (أ ف ب)


لنا حصتنا من المسؤولية عن الجريمة التي ارتكبها المراهق الشيشاني في فرنسا، عندما أقدم على فعلته المروعة بقطع رأس مدرس فرنسي، عقابا على استعماله رسوم "شارلي إيبدو" في درس كان يعطيه لتلامذته عن حرية التعبير. المسارعة لتقصي المسؤولية الفرنسية تنطوي على رغبة في التهرب من التفكير بمسؤولية الإسلام كنص وكتجربة تاريخية واجتماعية وسياسية، وأيضا الإسلام كمؤسسة دينية رسمية.

فقد أشبعنا موضوع مسؤولية الثقافة الغربية عن العنف المخصب بأزمات الاندماج درسا وبحثا وتحليلا، والآن حان وقت التفكير في أنفسنا بوصفنا شركاء في الجريمة. نعم المراهق الشيشاني يعاني من أزمة اندماج، ونعم قد تكون الصدمة الغروزنية شبه الإبادية، قد تركت ندوبها في وعي الفتى على رغم أنه لم يعشها، ذاك أنه ولد وعاش في موسكو، ولم يزر الشيشان إلا مرة واحدة، وكان في حينها طفلا. لكن الإسلام طبع ختمه على الجريمة، فهي وقعت في سياق النقاش حول الرسوم التي نشرتها الصحيفة ذائعة الصيت في خصومتها لكل أشكال التقييد التي تفرضها الأديان، كل الأديان، لكن وثبة المسلمين والإسلاميين في مواجهة الصحيفة وحدها ما ترافق مع عنف وقتل وتفجيرات. وهي وثبة بدأت في بلدان المصدر، وشاركت أو تغاضت عنها دور الإفتاء "المتنورة".

والجريمة جرت في ظل نقاش افتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تحدث عن إرهاب إسلامي، لا بل عن أن الإرهاب الراهن هو إرهاب إسلامي. لكنه نقاش من طرف واحد، وإن ساهم فيه مثقفون مسلمون أو من أصول إسلامية! فالإسلام بمؤسساته وممثليه ما زال يمارس لعبة مراوغة وصلت إلى حد رفض مؤسسة الأزهر تكفير تنظيم إرهابي مثل "داعش"، ناهيك عن الرفض المطلق من الاقتراب من النصوص التي يتكئ عليها قَطَعة الرؤوس، وهي نصوص موجودة، وما على المسلم المنبعث اسلامه فجأة كحال المراهق الشيشاني، إلا أن يفتح الكتاب ويقرأ.

الإسلام لم يعد دين الأوطان التي انبعث منها. هو اليوم دين المهاجر أيضا، وهو والحال هذه ثقافة مضادة، ومسؤولية جعله دينا عاديا تقع على ممثليه في دول المصدر، مثلما تقع على المؤسسات السياسية والاجتماعية الغربية. التهرب من نقاش النصوص لا ينسجم مع واقع وحقيقة أننا مسؤولون عن حماية ما تبقى من جوانب ممكنة من هذه الهوية المترنحة في الدياسبورا.

الفتى الشيشاني أقدم على فعلته باسم الإسلام! باسمنا وباسم نبينا وكتابنا. تعرف على نفسه كمسلم منذ زمن ليس بعيدا، فانطوى عليها وقرر أن يقطع رأس مدرس حرية التعبير. فرنسا مسؤولة عن الجريمة؟

هذا نقاش طويل لطالما خاضه مثقفوها وكتابها ومتخصصوها في شؤون الإسلام، ووصلوا فيه إلى نتائج وكتبا ومؤشرات. الإسلام مسؤول عن الجريمة؟ صمت ونكران وتبرير! وفي الوقت الذي وصلت فيه المسيحية كمؤسسة دينية إلى إباحة زواج المثليين، ما زلنا نحن عالقين بحرب لمنع المرأة من حقها بحضانة أطفالها، ولم تجرؤ مؤسسة إسلامية واحدة على المشاغبة على النص الذي يبلغ عمره 1400 سنة.

ما زال النقاش هنا، ولم يبلغ بعد نصوص التكفير والقتل والتنكيل، وهو، أي النقاش، إذ ما زال عالقا حول حقوق بديهية لبشر هذه الديانة، يعوزه قرون للتصدي لهموم المجتمعات المهاجرة في علاقتها مع المجتمعات المستقبلة، وهذا زمن كفيل بذواء الإسلام كشريك بالثقافة التي استقبلته في بلاد الإفرنج، ذاك أنه الحلقة الأضعف في هذه الحرب. وتجارب ذواء الأديان كثقافات مضادة كثيرة، لا سيما في أوروبا.
نعم، على فرنسا أن تفكر بنفسها في هذه اللحظة، فهي سبق أن أرسلت لنا متطرفين قاتلوا مع "داعش"، وأشاحت بوجهها عن معضلة الاندماج التي هي معضلتها. وفي فرنسا مكان واسع لوجهة النظر هذه، مثلما فيها مكان واسع للمهاجرين الهاربين من جور بلادهم وأنظمتهم، وفي المقابل لا أثر لأي قول يطمح لتناول مسؤوليتنا عن هذا الصدام الخطير مع العالم، بل على العكس من ذلك، فقد وجد المنطق الذي ارتكبت الجريمة في ظله من يلاقيه في منتصف الطريق، وسارعت وسائل إعلام لم تقتصر على قناة "الجزيرة" القطرية لاقتفاء أثر مشاكل الاندماج، ولاستعادة مأساة غروزني التي ادعت أن المراهق القاتل صادر منها!

أما فعلة قطع الرأس، كمشهد مستعاد ومستمد من خبرات محددة، فجرى تجاوزه، إذ أننا بحسبهم أمام جريمة عادية، رغم زلزلتها دولة كبرى، ورغم تهديدها وجود ستة ملايين مسلم فرنسي.
T+ T T-