الثلاثاء 11 مايو 2021
موقع 24 الإخباري

قناة اسطنبول... جسر إلى اللامكان

مع اقتراب المئوية الأولى للجمهورية التركية الحديثة، يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إنجاز مشاريع معمارية واقتصادية كثيرة تخول له حفظ إرث شخصي في تاريخ بلاده.

بسبب المشاكل الاقتصادية وضعف التأييد الشعبي للحزب الحاكم، النتيجة المرجحة لقناة اسطنبول هي سيناريو الجسر الذي يؤدي إلى اللامكان، حيث تبدأ أعمال البناء ثم تتوقف إلى أجل غير مسمى
لكن يبدو أن قسماً كبيراً من المشاريع الضخمة قد يواجه، أو واجه فعلاً الفشل. تطرق الكاتب السياسي المتخصص في الشؤون التركية دايفد ليبيسكا إلى عدد من تلك المشاريع وفي مقدمها مخططه لحفر قناة جديدة في اسطنبول.

بين الجنون والخيانة
كتب ليبيسكا في صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، أنه في أبريل (نيسان) 2011، أعلن أردوغان رؤيته لقناة طولها 50 كيلومتراً تربط بحر مرمرة، بالبحر الأسود، وتقع على بعد 20 كيلومتراً غربي مضيق البوسفور.

بعد عقد من الزمن من طرح رؤيته، وبعد عدد لا يحصى من عمليات وقف واستئناف الأعمال، يتوقع المسؤولون الأتراك إطلاق المشروع الذي يقدر بـ 20 مليار دولار، والذي وصفه أدروغان نفسه بـ"مجنون".

قد يوافقه في ذلك عدد متزايد من النقاد، وفي مقدمتهم عمدة مدينة اسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي يُنظر إليه على أنه أبرز منافس للرئيس التركي في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2023.

يصف إمام أوغلو المشروع بالخيانة، مؤكداً أن السكان المحليين يحتاجون إلى الوظائف، والأمنَين المالي والصحي، أكثر مما يحتاجون إلى قناة جديدة ومكلفة.

ويؤيد ما يقارب 75% من سكان اسطنبول كلام أوغلو وفق استطلاع رأي أجري في 2019.

أضاف ليبيسكا أن اسطنبول تمثل خُمس عدد سكان تركيا وأكثر من ثلث ناتجها المحلي الإجمالي. وشهد الاقتصاد التركي ركوداً منذ نشوب أزمة نقدية في أواسط 2018، مع انخفاض مطرد في سعر الليرة التركية، إضافة إلى دين خارجي كبير، وارتفاع مستمر في التضخم، والبطالة.

وساءت الأمور أكثر بفعل جائحة كورونا التي دفعت أكثر من 1.5 مليون تركي إلى الفقر. ومنذ أيام قليلة، دخلت تركيا أقسى إغلاق عام، وسط ارتفاع قياسي في الوفيات بسبب تفشي كورونا.

مخاوف بيئية
تعهد أردوغان بالمضي قدماً في إنجاز القناة مشيراً إلى أنها ستجذب استثمارات خارجية تحفز النشاط الاقتصادي.

وتذكر التقارير أن مسؤولين أتراكاً إضافة إلى أثرياء أجانب أقدموا على شراء الأراضي الواقعة على طول القناة المنتظرة، الأمر الذي رفع أسعار العقارات بقوة.

حسب تقديرات الحكومة، سيولد المشروع 5 مليارات دولار من رسوم الترانزيت كما سيخفف الازدحام في البوسفور الذي يشهد حركة ملاحة أكبر بثلاثة أضعاف تقريباً من تلك التي تشهدها قناتي السويس أو بنما.

لكن نقاداً كثراً شجبوا المشروع لأسباب بيئية، قائلين إن القناة ستدمر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وموئل العديد من الأنواع الحيوانية على الساحل، كما ستهدم النظم الإيكولوجية البحرية، في البحر الأسود وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.

الحوادث البحرية في مضيق البوسفور ليست نادرة. ففي 1999 تابع ليبيسكا، انقسمت ناقلة نفط روسية إلى شطرين بالقرب من مدخل المضيق فتسرب منها 1500 طن من النفط الذي لوث الشواطئ القريبة طوال سنتين.

وبدا الحادث الأخير في قناة السويس في الشهر الماضي مثل ترويج جيد لقناة اسطنبول.

ضمنت معاهدة مونترو في 1936 حرية الملاحة للسفن المدنية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، بينما أعطت تركيا سيطرة ملحوظة على مرور السفن للدول المطلة على البحر الأسود.

شدد كبار المسؤولين في الحزب الحاكم على أن القناة الجديدة ستمكن تركيا من إبطال معاهدة مونترو وفرض قواعد تنظيمية جديدة. لكن ليبيسكا يستبعد هذه الفرضية بما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوضح لنظيره التركي أن تلك المعاهدة خط أحمر.

على افتراض مواصلة تنفيذ مونترو، يقدر المحلل البارز في شؤون مضيق البوسفور يوروك إيسيك أن سفن الشحن تنتظر حوالي 20 ساعة في المتوسط، لعبور المضيق في الأحوال الاقتصادية العادية. إذا كان ذلك صحيحاً فسيكون لسفن الشحن بعض الحوافز للدفع مقابل عبور أسرع، بما أنها ستكون مباشرة وأسهل للملاحة.

غرور
وحسب الكاتب، قد يكون أردوغان مدفوعاً بالغرور. على مدى ثلاث ألفيات، أمنت اسطنبول مشهداً طبيعياً مثالياً للقادة الطامحين لترسيخ إرثهم، بسبب تلالها وممراتها المائية المتلألئة.

أعار بيزاس وقسطنطين اسميهما للمدينة. وأعطى يوستنيانوس العالم آيا صوفيا. بينما ترك ثيودوسيوس جدران أسواره قائمة هناك. ثم جاءت المساجد العثمانية الضخمة، والمآذن الرفيعة، التي صممها معمار سِنان، المهندس المفضل لدى سليمان القانوني في القرن السادس عشر. إن مضيقَ بوسفور ثانياً يحول مركز المدينة إلى جزيرة سيكون تحولاً غير مسبوق. لقد كان ذلك المشروع عصياً حتى على أسلاف أردوغان.

طرح السلطان سليمان الذي حكم السلطنة في ذروتها وأوصلها إلى بوابات فيينا مفهوم قناة مائية بشرية تربط البحر الأسود ببحر مرمرة منذ خمسة قرون.

وقيل أيضاً إن معمار سنان وضع خطة طريق للمشروع قبل أن التخلي عنه. فكر السلاطنة المتعاقبون على الحكم في ذلك المشروع قبل أن ينشغلوا بأفكار أخرى. وأعيد إحياء الفكرة مجدداً في العصر الجمهوري مرات عدة كما حصل مثلاً في 1991.

نجاح واحتقار في آن
بعد تولي السلطة في 2003، سيطر أردوغان على وكالة الإسكان التركية. خلال العقد الموالي، قفزت مشاريع البناء في تركيا خمسة أضعاف وأصبح هذا القطاع محفزاً اقتصادياً وأداة انتخابية.

وقال الخبير الاقتصادي مصطفى سونميز لليبيسكا في 2013، إن وكالة الإسكان بنت أنواعاً عدة من المشاريع لكسب أصوات الناخبين. وعملت في بناء المساجد، والملاعب، والمتاجر الضخمة، والمجمعات العسكرية.

وأطلق أردوغان مشاريع هائلة بشكل متعاقب، جسر ثالث فوق البوسفور، وأكبر مطار في العالم، ونفق للسكك الحديدية تحت البوسفور، مجمع ميناء بمليار دولار، ومسجد مطل على ساحة تقسيم. إن أجندته المركزة على البناء هي واحدة من أكثر مخططاته السياسية نجاحاً واحتقاراً في آن.

وكانت طفرة البناء مدعومة من قاعدته الشعبية والدائرة المقربة من حزب العدالة والتنمية حيث استفاد كثر فيها من عقود دون مناقصات بمليارات الدولارات، وفقاً للتقارير.

وألهمت طفرة البناء أكبر موجة معارضة لأردوغان. في أواسط 2013، انضم ملايين الأتراك إلى تظاهرات وطنية بدأت أساساً للاعتراض على تدمير حديقة غيزي وسط اسطنبول. بعد عقد من الزمن، يتساءل المرء إذا كان على الرئيس التركي أن يلتزم بالحذر أكثر قبل إطلاق مشاريعه.

هدر سياسي للوقت والمال
دافع أردوغان مراراً عن المطار الجديد، والجسر، والقناة لأنها جزء أساسي من رؤيته القائمة على تعزيز مكانة تركيا، ورفع الناتج القومي إلى تريليوني دولار بحلول 2023.

قبل عامين من هذا التاريخ، لا يزال الاقتصاد التركي بعيداً عن هذا الهدف بأكثر من 60%. وفي الأثناء، تبدو المشاريع التي أُنجزت إهدار سياسي للوقت والمال.

افتتح مطار اسطنبول في أبريل (نيسان) 2019. بعد أقل من عام، وقبل أسابيع من انتشار الجائحة وتدميرها صناعة السفر، دخل بنك آي سي بي سي الصيني محادثات مع مشغل المطار لإعادة تمويل 6.2 مليارات دولار من ديونه.

وافتتاح جسر البوسفور الثالث وطريق مرمرة السريع المجاور له في 2016، وكان أداؤهما ضعيفاً لدرجة أن الكونسورتيوم الإيطالي التركي الذي أشرف على المشروع انسحب منه.

واليوم تحاول تركيا حث كونسورتيوم صيني ليكون المالك الأكبر للجسر والطريق المحاذي له.

الصين تغزو عاصمة السلطنة؟
أصبحت الصين فجأة مشرفة على جميع مشاريع أردوغان الفاخرة. أكبر مشغلين صينيين للموانئ هما أكبر مالكي ميناء كومبورت الذي يقع في مكان مناسب على الضفة الشمالية الغربية لبحر مرمرة بالقرب من القناة المنتظرة.

وتملك شركة زد تي إي الرائدة في مجال التكنولوجيا 48% من أبرز شركة تركية للاتصالات والتي تشرف على الاتصالات في مطار اسطنبول القريب أيضاً من النهاية الشمالية للقناة.

وفي الأسبوع الماضي، قالت ستة بنوك تركية، بما فيها أكبر ثلاثة مصارف خاصة، إن من غير المرجح أن تستثمر في القناة بسبب مخاوف بيئية، وذلك بعد انتشار أخبار عن دراسة بنوك صينية الاستثمار في القناة التي ستُضم إلى مبادرة الطريق والحزام.

يرى ليبيسكا أنه بسبب المشاكل الاقتصادية وضعف التأييد الشعبي للحزب الحاكم، فإن النتيجة المرجحة لقناة اسطنبول، هي سيناريو الجسر الذي يؤدي إلى اللامكان، حيث تبدأ أعمال البناء ثم تتوقف إلى أجل غير مسمى، إذا خسر أردوغان الانتخابات.

ولكن حتى لو أنجزت القناة، قد لا يُنظر إليها على أنها تتويج لمسيرة أردوغان بل إشارة مبكرة لغزو الصين عاصمة السلطنة العثمانية.

T+ T T-