الجمعة 30 يوليو 2021
موقع 24 الإخباري

الصهيوخونجية

مرشدا الإرهاب الإيراني والإخواني الخميني وحسن البنا (تعبيرية)
مرشدا الإرهاب الإيراني والإخواني الخميني وحسن البنا (تعبيرية)
يتضح للمتابع أن حركة "الإخوان المسلمين" هي الوجه الآخر غير المعلن للحركة الصهيونية بشقيها اليهودي والمسيحي، فإذا كانت هناك الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، فهناك أيضاً ما يمكن أن يُسمّى بالحركة الصهيونية الإخوانية والتي يمكن اختصارها بـ"الصهيوخونجيّة"، ويمكن ترجمتها إلى الإنجليزية لتعميمها في أدبيات الصراع العربي ضدها وضد احتلال فلسطين بـ ZIO-IKHWANISM.

تأسست حركة "الإخوان المسلمين" في مصر عام 1928 بدعم وتشجيع وتمويل من الاستعمار البريطاني آنذاك، وتزامن تأسيسها مع نشاط الحركات الصهيونية اليهودية التي بدأت شيئاً فشيئاً بإنشاء "الكيبوتزات" الصهيونية، تمهيداً لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

ويقوم خطاب التعبئة الصهيوني على نصوص توراتية، وخزعبلات دينية حولت فكرة الرب فيها إلى ما يشبه سمساراً عقارياً يعطي اليهود حصراً "أرض الميعاد" أي فلسطين، وركزت في تبريرها لاحتلال فلسطين على حقوق دينية وتأويلات وتفاسير توراتية لا يؤمن بها سوى المتدين الصهيوني اليهودي، وفرضت تلك التأويلات بالقوة، طرد الفلسطينيين وإرهابهم وقتلهم ومصادرة أراضيهم وبيوتهم.

وبمساعدة من قوى الاستعمار الغربي بشكل رئيس، وللتخلص منهم في العالم الغربي، أقام اليهود دولتهم عام 1948، وهو ما رفضه العرب والفلسطينيون وكل قوى الخير والسلام في العالم، وخاض العرب المنهكون والضعفاء المتخلفون بالحقبة العثمانية التي جثمت على صدروهم قروناً، والمكبلون بالاستعمار الذي حل محلها، خاضوا حروباً كانت الغلبة فيها غالباً لعدوّهم الجديد، إسرائيل.

على أرض الكويت، انطلقت الثورة الفلسطينية في بداية الستينيات برئاسة ياسر عرفات وآخرين، ورفعوا شعار الثورة حتى النصر لتحرير فلسطين، كل فلسطين، والتفت حولهم قوى السلام والقوى الإنسانية في العالم، ونجحوا في أنسنة قضيتهم وكونيتها لدى كل القوى الثورية والتقدمية في العالم، على اعتبار أن الصهيونية حركة رجعية تتخذ من الدين أطروحةً سياسية تفرضها على الآخرين بالحديد والنار، بينما كانت منظمة التحرير خليطاً من قوى أيديولوجية مختلفة، ويقود ثاني وثالث أكبر فصيلين فيها مسيحيان هما جورج حبش، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونايف حواتمه، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

في نهاية السبعينيات، وبجامعة الكويت حيث كان النشاط الطلابي الثوري والقومي واليساري هو السائد، سيطر تيار "الإخوان المسلمين" ولا يزال حتى يومنا هذا على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، ودخل في صدام مع الاتحاد العام لطلبة فلسطين لأن الاتحاد الفلسطيني "علماني" وفلسطين التي احتلها اليهود بحجج دينية، لا يمكن إلا أن نجابهها بالدين، وهو ما كانت ولا تزال الصهيونية تنشده وتتمناه وتشد عليه. فمتى توهم العالم أن الصراع ديني، فسيصطف اليهود الصهاينة والمسيحيون الصهاينة مع إسرائيل ضد الإسلام، وسيقف بقية العالم مع الأقوى أو موقف المتفرج في أحسن الأحوال، وهو ما يؤدي إلى استفراد إسرائيل بالعرب المسلمين وحدهم، بعدما تسهم "الصهيوخونجيّة" في نزع إنسانية القضية وعولمتها.

تبنّى "الإخوان المسلمون"، "رابطة طلبة الأقصى" بجامعة الكويت في تلك الفترة كبديل للاتحاد العام لطلبة فلسطين بقيادة النقابي المفوه بسام هلسا، رحمه الله، وذاع صيت قيادات إخوانية فلسطينية جديدة بدعم الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وتمويله، وكان على رأسهم السيد خالد مشعل الذي أصبح زعيماً لحركة "حماس" لاحقاً.

ومنذ ذلك الوقت، والواحد يشهد شقاقاً جديداً على الساحة الفلسطينية، بين منظمة التحرير الفلسطينية والإخوان المسلمين-الصهيوخونجية.

ومن هنا بدأ "ذهاب ريح الموقف الفلسطيني الموحد"، وبدأ العالم ينظر إلى المطالب الفلسطينية على أنها مطالب دينية لا تختلف كثيراً بخزعبلاتها عن خزعبلات الصهيونية اليهودية، أو خزعبلات المسيحية الصهيونية التي تنشد الوقوف مع اليهود وحشرهم جميعاً في إسرائيل لتجتمع عليهم الأمم ويقتلونهم جميعاً في معركة "أرماغيدون"، هرم المجد، ولا ينجو من اليهود سوى 160 ألفاً يعتنقون المسيحية الحقّة، فيظهر المسيح تمهيداً لقيام يوم الساعة!

منذ أن ظهرت الصهيوخونجيّة، انحرف النضال الفلسطيني ودخل في متاهة فكرية، وعاشت الساحة الفلسطينية انشقاقاً دامياً أحياناً، ما زال أحد أسباب ضعف القضية الفلسطينية. فبعد أن كانت قضية كل الأحرار في العالم، حاول الصهيوخونجيّة "أسلمة" القضية، وهو الحلم الصهيوني، متناسين المسيحيين الفلسطينيين، ومتجاهلين اليهود الرافضين للصهيونية، وقوى المساندة الدولية التي تدعم حق الشعب الفلسطيني المظلوم كبشر مثل سائر البشر.

تمارس حركة الصهيوخونجية كل أنواع التضليل، والكذب، والمتاجرة، والسمسرة، ولا تتورع عن الوقوف مع الطغاة من أجل شعار القضية، فوقفوا مع صدام حسين في غزوه للكويت، ولم يعتذروا حتى الساعة، وصفقوا له حين قصف الرياض والدمام، وهتفوا:" بالكيماوي يا صدام، من الخفجي للدمام"!

قد يقول قائل: "دَع الماضي، وانسَ ما جرى للكويت، فإلى متى وأنتم تجترون أخطاء الماضي، اللي فات مات!". وماذا عن تخليد صدام حسين حديثاً بتمثال في الضفة، وشارع كبير باسمه، وهو الذي دمّر العراق وشعبه، وجيرانه، والأمة العربية كلها؟

لا بأس، فلننسَ ذلك كله، لكن المملكة العربية السعودية تتعرض اليوم وكل يوم لعدوان من قبل إيران على أيدي الحوثيين، وقادة الصهيوخونجية في صنعاء يسلمون دروع النصر ويشيدون باعتداءاتهم، بدلاً من إدانة العدوان على أول وثاني الحرمين الشريفين، أي مكة والمدينة!

وتلهج ألسنة قادة الصهيوخونجية بالشكر والعرفان لإيران لدعمها حماس، والجهاد لتحرير القدس، لاحظ أن إيران لا تأتي على ذكر المسجد الأقصى، لأن بني أمية هم الذين شيدوه! ووضع قادة الصهيوخونجية في غزة تمثالاً لمن أسموه "شهيد القدس" قاسم سليماني، الذي أوغل في دماء العراقيين، والسوريين، وهو الذي لم يُطلق رصاصة واحدة تجاه إسرائيل!

يأتي العرفان والمديح لإيران رغم أن الدول العربية الخليجية، ومصر، هي الداعم الحقيقي للحق الفلسطيني، وهي تقدم الغالي والنفيس لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، وهي التي تستضيف اللقاءات تلو اللقاءات لتوحيد الصف الفلسطيني مرة بمكة المكرمة، ومرات كثيرة ما زالت مستمرة في القاهرة.

الصهيوخونجية وافقت على اتفاق أوسلو، ووافقت على حل الدولتين، ووافقت على الدخول في الانتخابات للسلطة الفلسطينية التي أُقرت بموجب اتفاق أوسلو، لكنها قلبت للسلطة الفلسطينية ظهر المجن بعد فوزها بانتخابات غزة عام 2007، وألقت بمناوئيها من أعالي المباني، وفرضت نظاماً قمعياً وبطشاً وقتلاً لمَن ترغب بقتله بحجة العمالة والجاسوسية لإسرائيل، وصار جل هم الإنسان الغزاوي المحاصر المنكوب هو الحد الأدنى من العيش بكرامة، فخرجت تظاهرات غزة العام الماضي، هاتفةً: "بدنا نعيش، وبدنا نعيش!". وكلنا نعرف ما جرى للمتظاهرين في تلك التظاهرة من قمع وبطش وحشي، يخجل منه جندي الاحتلال نفسه.

للصهيوخونجية حزب إسرائيلي داخل أراضي الـ48 اسمه "الحركة الإسلامية"، يحملون جميعاً الجنسية الإسرائيلية، ويخوضون الانتخابات الإسرائيلية، وصار زعيمه منصور عباس عضواً في البرلمان الإسرائيلي الكنيست، وأصبح بيضة القبان في تشكيل الحكومة الإسرائيلية الأخيرة التي أطاحت بنتانياهو.

تهاجم الصهيوخونجية مصر التي لا منفذ وملجأ إلا إليها وتعتبر نظام مصر انقلاباً عسكرياً غير شرعي، ولنفترض ذلك، لكنها الصهيوخونجيّة نفسها التي انقلبت على نظام الصادق المهدي المنتخب عام 1989، وساموا الشعب السوداني الخسف، وقتلوا ما يزيد على مليون سوداني في حروب دينية عبثية عنصرية، وتنازلوا عن ثلث مساحة أكبر بلد عربي من أجل البقاء في السلطة، ووقف قادته حسن الترابي، وعمر البشير مع العدوان على الكويت، كذلك.

مات الترابي، وثار الشعب السوداني قبل عامين وأطاح بالبشير و"الكيزان" وهي الكلمة السودانية الدارجة لما أسميه هنا بالصهيوخونجية، وأطاحوا بهم.

تتباكى الصهيوخونجيّة على الحريات الصحافية في مصر ودول الخليج، لكنها لا تنبس ببنت شفة ضد حليفها أردوغان، حيث يقبع أكبر عدد من المساجين الإعلاميين في العالم، ولا يرون احتلال شمال العراق، من قبل تركيا عدواناً، ولا شمال سوريا احتلالاً، ويؤيدون احتلال تركيا لشمال غربي ليبيا.

بحقد وغطرسة واحتقار وفوقية مريضة، يهاجم الصهيوخونجية دول الخليج التي أقامت سلاماً مع إسرائيل واعترفت بها، لكن درجة المعارضة للسياسة ذاتها لم تكُن واحدة حيال السودان، وهي معارضة معدومة حيال المغرب، الذي تحكمه حكومة قريبة من الصهيوخونجيّة، فكان السكوت عن تطبيعها مع إسرائيل واجباً وفرض عين، بل إن زعيم الصهيوخونجية الحمساوية إسماعيل هنية، يزور الرباط وقت كتابة هذا المقال على رأس وفد من 12 قيادياً سيلتقي رئيس الوزراء السيد سعد الدين العثماني، الإخواني.

لا يتورع الصهيوخونجي عن شيء، فقد تجده يصافح القوى الإيرانية التي توغلت في بلاد الشام والعراق، التي أولغت في دماء شعوبها، وقد تجده يصيح لتحرير القدس، لكنه يؤيد قصف مكة والمدينة، وقد يرفع شعار تحرير فلسطين، لكنه يؤيد احتلال الكويت، وقد يرفض احتلال الضفة والقطاع، لكنه يسكت عن اقتطاع 600 ألف كيلومتر في جنوب السودان.

إن الصهيوخونجية أشد خطراً على القضية الفلسطينية العادلة، من الصهيونية اليهودية المسيحية، فالأخيرة معروفة وبائنة لنا جميعاً، وهي مشكلة قوى التنوير الإنسانية والتقدمية اليهودية والمسيحية التي تعارض الفكر الصهيوني معارضةً شديدة.

ولن يتوقف نضال الأحرار من شعب فلسطين ولا أحرار العالم أجمع عن نبذ ورفض العنصرية الصهيونية، لكن الصهيوخونجية أشد خطراً لأنها بين ظهرانينا وترفع شعارات الإسلام، وتمارس إرهاباً بدنياً دامياً ضد مَن يعارضها، وإرهاباً فكرياً ضد حتى مَن يقول لها: "أتفق معكم بالأهداف، وأختلف معكم بالوسيلة"، عندها سينعتونه بالعمالة والصهينة أي "رمتني بدائها وانسلّت".

ستبقى قضية الحق الفلسطيني ظاهرة على الصهيونية اليهودية والمسيحية، وحليفتها الصهيوخونجية، لكن المطلوب في النضال لإقرار الحقوق الفلسطينية المشروعة وإنهاء الاحتلال، فضح هذه الصهيوخونجيّة التي تتاجر وتناور وتتكسب بل وتتحالف مع إسرائيل، ومَن يعارضها ولو تكتيكاً، فله الويل والثبور وعظائم الأمور.

إن فضح الصهيوخونجيّة واجب إنساني وأخلاقي بل وديني إسلامي، فهؤلاء لا أخلاق يعرفون، ولا بقيم يؤمنون، ومستعدون أن يتحالفوا ضد الظالم مع من هو أشد منه ظلماً، بحجة نصرة المظلوم.
T+ T T-