الأحد 25 يوليو 2021
موقع 24 الإخباري

50 عاماً على زيارة كيسينجر للصين... الرحلة السرية التي غيرت وجه الحرب الباردة

الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسينجر.(أرشيف)
الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسينجر.(أرشيف)
كيف غيّرت زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسينجر قبل خمسين عاماً إلى الصين الحرب الباردة؟ سؤال طرحه هال براندس في مقال بموقع "بلومبرغ" الأمريكي، قائلاً إنه في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، توعد الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن أعداء الصين "ستتضرج رؤوسهم بالدماء في مواجهة جدار عظيم من الفولاذ".

الثمن الأخلاقي للوفاق باهظ جداً، لكن ليس أغلى من الفوائد المعنوية والإستراتيجية التي نجمت عن التفوق على موسكو والفوز بالحرب الباردة
 كذلك، صادف هذا الشهر مرور 50 عاماً على لحظة كانت مفعمة أكثر بالأمل في العلاقات الصينية-الأمريكية تمثلت في الرحلة السرية لكيسينجر إلى الصين عام 1971.

ووضعت الإجتماعات بين كيسينجر، الذي كان عامذاك مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون ورئيس الوزراء الصيني شو إن لاي، جيلاً من العداء جانباً، ومهدت الطريق لشراكة استراتيجية تاريخية. واليوم بينما تتجه الصين والولايات المتحدة إلى مواجهة، قد يكون مغرياً النظر إلى التعامل مع بكين، على أنه كان  بداية 50 عاماً من الإنخراط الخاطئ مع دولة معادية بشكل أساسي، ولكن من الجدير تذكّر أن البداية كانت ذكية وقوية وساعدت على الفوز في الحرب الباردة وغيرت علاقة الصين بالعالم.

وكان التقارب الأمريكي-الصيني مخالفاً للحدس وأتى متأخراً. وكانت الصين الدولة المنبوذة الأولى في العالم في الخمسينات والستينات-أكثر بكثير من حليفها الشيوعي، الإتحاد السوفيتي. وأدت سياسات الزعيم ماو تسي تونغ إلى وفاة عشرات الملايين من شعبه في القفزة الكبرى والثورة الثقافية. وقاتلت الصين في حربين ضد الولايات المتحدة في كوريا وفي فيتنام، وغذت التمرد والثورات في العالم النامي.

إبعاد الصين عن السوفيت
ومع ذلك، أدرك المسؤولون الأمريكيون أن الهندسة الإستراتيجية للحرب الباردة ستتغير بشكل هائل إذا تم إبعاد الصين عن الإتحاد السوفيتي. وشككوا في إمكان تعايش العملاقين الشيوعيين إلى الأبد. وإبان الخمسينات، اتخذت إدارة أيزنهاور إجراءت غير مستقيمة لتسريع الإنشقاق- ممارسة ضغطاً اقتصادياً وعسكرياً هائلاً على بكين، على أمل أن يتقدم ماو بمطالب متزايدة للحصول على دعم من موسكو.

لكن في أواخر الستينات، تشققت العلاقة، تبعاً لتوترات إيديولوجية وجيوسياسية متزايدة. وبلغت الصين والإتحاد السوفياتي حافة الحرب. وقرر ماو، المعزول تماماً بعد جنون الثورة الثقافية، أن يستخدم "البرابرة البعيدين" (الأمريكيون) لإبقاء "البرابرة القريبين" (السوفيات) بعيدين.

وبالنتيجة، فإن رقصة ديبلوماسية أدت إلى رحلة كيسينجر إلى بكين، تبعتها زيارة نيكسون في العام التالي، وتلاها تحالف ضمني كان من شأنه تغيير دفة الحرب الباردة. وفي هذه الأثناء، كان على الإتحاد السوفياتي أن يعمل على احتواء منافسين قويين كانا يعملان على مواجهته، وكان عليه أن يقلق من حرب على جبهتين ضد حلف شمال الأطلسي وضد الصين.

إصلاحات اقتصادية
إن الشراكة الجديدة سهلت أيضاً الإصلاحات الإقتصادية التي نقلت الصين نحو الرأسمالية المزدهرة بعد وفاة ماو، مما غرز خنجراً إيديولوجياً في قلب النموذج الإشتراكي الراكد لموسكو.

ومن جهة الصين، فإنها كسرت عزلتها الدولية، وتمكنت من الوصول إلى المؤسسات العالمية والإقتصاد العالمي. وبدأت بالحصول من الولايات المتحدة على معلومات استخباراتية قيمة، وتكنولوجيا ومواد عسكرية، وكذلك على مساعدات تجارية واستثمارية من اليابان الحليف المقرب من أمريكا. وبطرق شتى، فإن الإنفتاح الذي صمّمه كيسنجر قد خلق الظروف العالمية لصعود الصين.

وبعد خمسين عاماً، يبدو أن هذا كان خطأ جسيماً- إذ إن الولايات المتحدة خلقت مسخاً جيوسياسياً بينما كانت تعتقد بسذاجة أن المسخ سيهلك. ومع ذلك، فإن كيسنجر ونيكسون كانا واقعيين جداً.

التخلي عن تايوان
وكتب كيسينجر أن الصينيين "كانوا إيديولوجيين متشددين يختلفون معنا تماماً حول الإتجاه الذي يسير نحوه العالم". وأدركت الإدارة الأمريكية أن إعادة تأسيس العلاقات تتطلب مساومات أخلاقية قذرة-مثل التخلي عن تايوان، أحد أقرب الحلفاء إلى أمريكا، وشرب نخب ماو. إن الثمن الأخلاقي للوفاق باهظ جداً، لكن ليس أغلى من الفوائد المعنوية والإستراتيجية التي نجمت عن التفوق على موسكو والفوز بالحرب الباردة.

وخلص الكاتب إلى أن المشاكل الحقيقية أتت في ما بعد. إن القمع في ساحة تيان آن مين عام 1989 وانهيار الإتحاد السوفيتي بعد ذلك بعامين، كان يجب أن يقودا إلى إعادة تقويم أساسية للسياسة الأمريكية وأن يضعا حداً لزواج المصلحة الجيوسياسي الذي بدأ عام 1971.     
T+ T T-