الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
موقع 24 الإخباري

الحشد يظهر وجهه الداعشي



أعترف بأني أكتب هذه المقالة في ظروف استثنائية، فأنا أختبئ في قبو منزلي منذ أيام هلعاً من تهديدات أحمد عبد السادة، الصحافي المقرّب من الحشد الشعبي العراقي، بقصف الإمارات، والتي يتهمها بالتلاعب بنتائج الانتخابات التشريعية العراقية.

وريثما أكتب وصيتي أيضاً، دعوني أعبّر عن تفهمي للحالة العصبية الهستيرية التي يعانيها عبد السادة.

فلقد تكبّد الحشد هزيمة انتخابية مدوّية، وفقد ثلث عدد نوابه، في مؤشر صارخ الى تهاوي شعبيته. وللمفارقة العجيبة، فقد تزامن التراجع الحاد في نتائج الحشد مع مراقبة الانتخابات من قبل بعثات أوروبية لضمان نزاهتها.

كما أتفهم مسارعته الى اتهام الإمارات تحديداً، واتخاذها شماعة للفشل الذريع، فالحشد لا يزال يترنح جرّاء تصريح جريء للشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، في 2016، قارن فيه الحشد الشعبي والتنظيمات الشيعية الأخرى، بـ"داعش" و"النصرة" وأخواتهما.

ولم تصدمني لغة الإرعاد والإزباد، والتلويح بالدموية والعنف والحروب، بل والاستهانة بمخاطر جرّ العراق إلى صراع إقليمي جديد.

فقبل تهديدات عبد السادة بدكّ الإمارات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية، كان أوس الخفاجي، الزعيم السابق لميليشيا "أبو الفضل العباس"، قد رد على تصريحات عبد الله بن زايد، متوعداً بـ"دخول الخليج" فاتحاً. وثمة دلالات عظيمة لهذه المصطلحات، فالخفاجي - أسوة بالتنظيمات السنية التكفيرية - لا يرانا إلا قطعاناً ضالة عقدياً عليه اقتيادها بحد سيفه إلى الإسلام.

إنها لغة ينتهجها من لم يعد بإمكانهم ستر عورتهم، إذ فاحت نتانة جرائمهم، وتبيّن لأي محايد أنهم الوجه الآخر لـ"داعش" التي يتخذون محاربتها غطاءً مثالياً لممارسة نسختهم من الطائفية.

فأيادي الحشد وحده ملطخة اليوم بانتهاكات ترقى إلى التطهير العرقي للمدنيين السنّة في العراق، مثل مجازر بروانة والمحامدة، بالإضافة إلى تهجير السنّة من مناطقهم للعبث بديموغرافيا البلاد، وسرقة ممتلكاتهم، وحرق منازلهم، كما حدث في تكريت. أما فظاعات الاختطاف الجماعي، والتي بلغت 643 فرداً دفعة واحدة في الصقلاوية في الأنبار، والاختفاء القسري، والتعذيب حتى الموت، فيضيق المجال عن ذكرها.

ولم تسلم الأقليات غير المسلمة، وكأنما يبصم الحشد على مقارنة ابن زايد له بـ"داعش" و"النصرة". فبعد دحره "داعش" من مناطق المسيحيين، فرّط الحشد بالفرصة لتلميع صورته، وبرهن أن صواريخه الذكية السالفة الذكر تفوقه ذكاءً، فسمح بالتضييق على المسيحيين واضطهادهم، ونهب بيوتهم وأراضيهم، لا سيما في نينوى، حتى وصلت أنباؤه إلى وسائل الإعلام الغربية.

إنهم "دواعش" إذاً، سواء تسمّوا بعمر ويزيد، أم بعبد الحسين وعبد المهدي. وسواء ذرّوا الرماد في العيون بمحاربة "داعش"، أم ناصبوها الولاء.

* *
يقول المثل الإنكليزي الشهير: "أعط الرجل ما يكفي من الحبال، وسيشنق نفسه بنفسه".

ربما كانت الهزيمة الساحقة في الانتخابات كفيلة بأن يُسقط الحشد الشعبي بنفسه ورقة التوت عنه، فما مهاجمة عبد السادة للإمارات، ووعوده بضربها، إلا إثباتاً على أنهم لم يتحدثوا يوماً إلا بلسان الدّمار والإرهاب.
T+ T T-