الإثنين 17 يناير 2022
موقع 24 الإخباري

من الخمسين إلى الخمسين



ونحن نستذكر بكل الفخر الخمسين عاماً الماضية من عمر دولتنا، دولة الإمارات العربية المتحدة، بكل ما تحقق خلالها من إنجازات عظيمة نعتز بها، نتوجه إلى الحديث عن السنوات الخمسين المقبلة من عمر الدولة، وماذا أعددنا لها، وماذا نتصور لأبنائنا وأحفادنا أن يجدوا في نهايتها، تماماً كما تصور الآباء المؤسسون، وهم يضعون اللبنات الأولى لاتحادهم، ما سيجد أبناؤهم وأحفادهم بعد خمسين عاماً من تأسيس دولتهم، فالعبور من الخمسين إلى الخمسين مناسبة للفخر بالماضي، بقدر ما هو مناسبة للتخطيط للمستقبل وتصوره.

يأخذنا الحديث عن المستقبل إلى مئوية الإمارات 2071 التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قبل أربع سنوات، والتي تقوم على رؤية شاملة وطويلة الأمد تمتد خمسة عقود، وتشكّل خريطة واضحة للعمل الحكومي طويل المدى لتعزيز سمعة الدولة وقوتها الناعمة، وتسعى إلى الاستثمار في شباب الدولة وتجهيزهم بالمهارات والمعارف التي تستجيب مع التغيرات المتسارعة، والعمل كي تكون دولة الإمارات العربية المتحدة أفضل دولة في العالم بحلول الذكرى المئوية لقيام الدولة عام 2071.

هذه الرؤية مستمدة من المحاضرة التاريخية التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في ختام فعاليات "مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل" الذي أقيم في مركز أبوظبي الوطني للمعارض والمؤتمرات عام 2017 وسط حضور مكثف من طلبة الجامعات في دولة الإمارات والهيئات التعليمية، ورسم فيها الخطوط العريضة لتجهيز دولة الإمارات للأجيال القادمة، وضمان استمرارية التنمية، واستدامة السعادة لعقود طويلة.

"تسارع التغيرات من حولنا يتطلب أن نجهز أجيالنا بأدوات جديدة، ومعارف مختلفة، ومهارات يستطيعون من خلالها النجاح في عالم سيكون مختلفاً تماماً عن عالم اليوم". هكذا عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، حين أعلن عن مئوية الإمارات 2071 أثناء ترؤس سموه اجتماع مجلس الوزراء في شهر مارس من عام 2017. هذه الرؤية العميقة لسموه أكدتها السنوات الأربع الماضية، فقد كانت التغيرات التي أحدثتها جائحة فيروس كورونا المستجد وحدها خلال عامي 2020 و2021 أكبر دليل على تسارع التغيرات التي تحدّث عنها سموه. فمن كان يتصور قبل عام 2020 أن الناس سيضطرون إلى ملازمة بيوتهم، وأن تواصلهم مع العالم الخارجي سيكون عن بعد، وأن وسائل مواصلاتهم الحديثة من طائرات وقطارات وبواخر وسيارات وغيرها ستظل قابعة في أماكنها شهوراً، وأن اقتصاديات دول ستنهار بسبب الجائحة، وأن ملايين البشر سيجدون أنفسهم بلا عمل ولا دخل ولا ملاذ يلجؤون إليه لإنقاذهم من هذه الكارثة؟ لقد نجحت دولة الإمارات في اختبار الجائحة بفضل القيادة الحكيمة والتخطيط السليم.

التركيز على الإنسان كان وما زال دائماً هو نهج القيادة في دولة الإمارات. قالها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عندما أكد أن الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال، وقال إنه لا فائدة في المال إذا لم يسخّر لخدمة الشعب. وعلى خطاه سار الأبناء، فأكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، أن بناء الإنسان يختلف تماماً عن كل عمليات البناء العادية الأخرى، لأنه الركيزة الأساس لعملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، وعليه دفع مسيرة الأمة. وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما قال إن العمل على رؤية ممتدة للأجيال هو أمانة لضمان استمرارية التنمية، واستدامة السعادة عقوداً طويلة في دولتنا. وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في الكلمة التي ألقاها في الدورة الثالثة للقمة الحكومية عام 2015 إنه سيأتي وقت بعد خمسين سنة ونحن نحمل آخر برميل نفط للتصدير، وسيأتي السؤال: هل سنحزن وقتها؟ وأجاب سموه: إذا كان الاستثمار اليوم في مواردنا البشرية صحيحاً، فأنا أراهن أننا سنحتفل بتلك اللحظة.

العبور من الخمسين إلى الخمسين يتطلب رؤية بعيدة وطموحة، ويحتاج عزيمة قوية وصادقة، ويستدعي عملاً دؤوباً ومثابرة. وهذا هو ما يميز قادة الإمارات دائماً. ولهذا نحن مطمئنون إلى أنه سيكون عبوراً آمناً وسلساً، لأن القامات التي تقود خمسين المستقبل هي سليلة القامات التي صنعت خمسين الماضي، والقامات السامقة لا ترضى إلا بالقمم العالية.
T+ T T-