الإثنين 17 يناير 2022
موقع 24 الإخباري

أخوند زاده "القائد الأعلى" الغامض لحركة طالبان

القائد الأعلى لحركة طالبان هبة الله أخوند زاده (أرشيف)
القائد الأعلى لحركة طالبان هبة الله أخوند زاده (أرشيف)
يحكم أفغانستان منذ أكثر من ثلاثة أشهر رجل غير مرئي، إذ ما زال القائد الأعلى لطالبان الملا هبة الله أخوند زاده متوارياً في معقله جنوب البلاد، ويوقره أنصاره رغم أنه متحفظ لدرجة أن بعض الخبراء يشكون في أنه ما زال حيّاً.

وفي وقت مبكر من مساء 30 أكتوبر(تشرين الأول) الماضي في قندهار "عاصمة الظل" للنظام الجديد في جنوب أفغانستان، سَرَت شائعات بأن "القائد الأعلى" سيلقي كلمة في مدرسة لتحفيظ القرآن بالمدينة، في أول ظهور علني رسمي له منذ تعيينه عام 2016.

وفي كابول، أكد عناصر طالبان أخيراً الخبر في الساعة 11:30 مساء، ونشروا تسجيلاً صوتياً له مدته 10 دقائق و30 ثانية، وبرز في التسجيل صوت رجل مسن وسط صدى التهاليل قائلاً "بارك الله في أهل أفغانستان الذين قاتلوا الكفار والطغيان طيلة 20 عاماً".

ولم يشهد على وجود "أمير المؤمنين" الذي بايعه تنظيم القاعدة حتى ذلك الحين سوى الرسائل المكتوبة النادرة المنسوبة إليه خلال الأعياد الإسلامية، وإلى أن استولى الأصوليون على السلطة في منتصف أغسطس(آب) الماضي، لم يعرف أحد من خارج دوائر طالبان المقربة مكان وجوده.

ونشرت صورة واحدة فقط له عام 2016 ويعود تاريخها إلى حوالي 20 عاماً وفق طالبان، تظهره بلحية بدأ يغطيها الشيب وأنف عريض ونظرة قاتمة، ويبلغ أخوند زاده الآن بين 60 و70 عاماً، وفق شهادات متطابقة، ويؤكد المقربون منه أنه "حي وبصحة جيدة، وهو في قندهار التي يقود منها حركة طالبان".

وفي إحدى أفقر ضواحي قندهار، بين جبل من القمامة وممر ترابي، يقف عنصران من طالبان في حراسة أمام البوابة الزرقاء والبيضاء لمدرسة دار العلوم الحكيمية حيث يتجمع بعض الفضوليين من بعيد منذ زيارة زعيم الحركة في 30 أكتوبر(تشرين الأول) الماضي.

وفي ذلك اليوم، رافق القائد الأعلى "ثلاثة حراس" و"كان هو نفسه مسلحاً"، حسب ما أفاد مدير الأمن في مركز الدراسات القرآنية معصوم شكر الله، وأكد مدير المركز الذي يدرس فيه 600 فتى وشاب الملا سعيد أحمد أنه "اختار مدرسة في حي فقير" مدّ طالبان على مدى 20 عاماً بعدد من المقاتلين الشباب الذين لقوا حتفهم "شهداء".

وهل القائد الأعلى لطالبان هو الذي تحدث ذلك المساء؟، أجاب محمد (19 عاماً) بعد شهر قائلاً "كنا جميعاً ننظر إليه ونبكي"، مضيفاً أنه كان متأثراً في ذلك الوقت فلم "أطل النظر في وجهه".

وأما محمد موسى (13 عاماً) الذي كان وقت الخطاب على بعد "100 أو 200 متر من القائد الأعلى، فأكد لنا أن الأخير يشبه تماماً الصورة المتداولة له منذ عام 2016".

وقالوا جميعاً إنه كان يرتدي ثياباً بيضاء ويضع عمامة سوداء، وبعضهم قال إنها بيضاء، ولم ينشر أي مقطع فيديو أو صورة للزيارة غير المسبوقة التي صادرت قبلها طالبان الهواتف المحمولة لمئات الحاضرين، ويشدد مدير المدرسة على أن هذا الظهور "أسكت الشائعات والدعاية عنه".

ولكن الأمر سيتطلب المزيد لإقناع بعض المسؤولين التنفيذيين في النظام الأفغاني السابق الذين يشتبهون في أن أخوند زاده مات منذ عام أو حتى عدة سنوات، ويرى هؤلاء في قصة المدرسة مسرحية تذكر بأخرى: وفاة المؤسس الأسطوري لحركة طالبان الملا عمر عام 2013.

وأخفت طالبان الأمر مدة عامين، قبل أن تؤكده عام 2015 بعدما كشفه أعداؤهم من أجهزة المخابرات التابعة للحكومة في ذلك الوقت، وصرح مسؤول في إدارة الأمن الوطني "لقد مات منذ فترة طويلة ولم يكن له دور في السيطرة على كابول"، مؤكداً أن أخوند زاده قتل في أغسطس(آب) 2019 في هجوم انتحاري بمدينة كويتا التي تعد معقلاً لحركة طالبان في باكستان.

وعلمت الوكالة أن أجهزة استخبارات أجنبية تعتبر هذا السيناريو موثوقاً، ويقر مصدر أمني إقليمي أن شائعات الوفاة "لم يتم تفنيدها أو تأكيدها"، لكنه يميل إلى تصديق رواية إدارة الأمن الوطني، معتبراً أن الأمير غائب عن شؤون النظام الجديد.

ورفضت وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية الرد على سؤال حول هذا الموضوع، وفي منطقة بانجواي القاحلة والشاسعة خارج قندهار، يعرف الجميع قرية أخوند زاده التي خرجت منها مجموعة علماء دين يحظون بالتقدير.

ويمتطي مقاتلان إسلاميان دراجتيهما الناريتين ويتفقان على إرشادنا عبر الكثبان الرملية إلى سبروان، مسقط رأس القائد الأبرز في طالبان، وفي تصريح قال المقاتل الشاب من المنطقة نعمة الله الذي تابع تعليمه في باكستان "وقت الغزو السوفيتي (أواخر عام 1979)، اندلع القتال في القرية وغادر هبة الله إلى باكستان".

وثم أصبح أخوند زاده عالماً جليلاً وحصل على لقب "شيخ حديث"، وهو مخصص لأبرز المتخصصين في الأحاديث المنقولة عن النبي محمد.

وفي مطلع التسعينيات، عندما برز التمرد الإسلامي من تحت أنقاض الاحتلال السوفياتي، عاد أخوند زاده إلى بلدته وهو في الثلاثينات من عمره، وفي مسجد سبروان حيث استقر "بين 5 و6 سنوات بحسب شهادات، جاء العلماء من المدينة ومن باكستان لمقابلته واستشارته"، وفق عبد القيوم (65 عاماً).

وحسب مقتطفات من سيرته الذاتية الرسمية، عندما وصلت طالبان إلى السلطة لأول مرة عام 1996، صار الشاب اللامع ضليعاً في علوم الشريعة، وصار عام 2001 رئيس المحكمة العسكرية في كابول.

وخلال الغزو الأمريكي نهاية عام 2001، فر أخوند زاده إلى كويتا وأصبح مسؤول قضاء طالبان ومدرّساً أشاد به الجيل الجديد من المجاهدين، وقال مسؤول في حركة طالبان يعيش في باكستان إنه "منذ وفاة الملا عمر ثم الملا منصور خليفته عام 2016، صار أخوند زاده مركز ثقل حركة طالبان، وقد تمكن من صون الجماعة".

ويقال إن الملا هبة الله لعب في السنوات الأخيرة دوراً دبلوماسياً حاسماً، كما دعا عام 2017 كل أفغاني إلى "زراعة الأشجار" من أجل "حماية البيئة والتنمية الاقتصادية".

وفق القيادي في طالبان المقيم في باكستان والذي يقول إنه التقى أخوند زاده ثلاث مرات آخرها عام 2020، فإن القائد الأعلى الذي يقوم ببعض التمارين البدنية بين الصلاة وخطبه وجلسات الاستشارة الصباحية، معروف برفضه استخدام التكنولوجيا الحديثة ويفضل المكالمات الهاتفية أو "مراسلة" أعضاء حكومة طالبان الذين تربطه بهم علاقة أخوية وطيدة.

ويتحدث أخوند زاده أربع لغات وطوله 1.75 متر، يرتدي السلوار وهو القميص التقليدي وصدرية، وغالباً ما يضع شالاً، وفي الصيف الماضي، أفادت تقارير أنه أعطى الضوء الأخضر للهجوم الأخير وتابع العمليات من قندهار حيث كان متخفياً منذ عدة أشهر، وفق ما أفاد المسؤول في طالبان.

وصار أي تعيين رسمي في الحكومة الجديدة يحمل توقيعه الآن، ويضحك المسؤول في طالبان قائلاً "أترى، الرجل الذي لم يظهر في العلن أبداً غزا دولة".

وتؤكد العديد من المصادر في طالبان أن تواريه عن الأنظار يعود في المقام الأول إلى الخوف من تصفيته، فرغم مغادرة الأمريكيين أفغانستان في نهاية أغسطس(آب) الماضي، إلا أن طالبان ما زالت تخشى ضربات الطائرات المسيّرة وهجمات تنظيم داعش المتزايدة.

وتستغرب الباحثة كيت كلارك من شبكة المحللين الأفغان قلة ظهور أخوند زاده، وتقول "حتى الملا عمر الذي لم يسمح بتصويره، أدلى بتصريحات ومقابلات عبر الإذاعة والتقى مسؤولين أجانب"، ولكن على عكس الأعوام 2013-2015، عندما أقر العديد من عناصر طالبان سراً أنهم لا يعرفون مكان الملا عمر وإذا كان ما زال على قيد الحياة، يؤكدون جميعهم الآن أن هبة الله حيّ وبصحة جيدة.

وبالنسبة للمسؤول الأمني الإقليمي، إذا مات أمير طالبان فلا مصلحة للحركة الإسلامية في إعلان ذلك والمخاطرة ببدء حرب الخلافة "التي ستزيد من انقسام طالبان ويمكن أن يستغلها تنظيم داعش".

وإن كان الأمر كذلك، يرى المسؤول الأمني الأفغاني السابق أن طالبان لن تكشف عن وفاته "حتى تصبح الأمور أكثر استقراراً ويكون لديها شكل من أشكال الاعتراف الدولي، ولا أحد يعرف متى سيحدث ذلك".

ومتى يظهر القائد الأعلى على مرأى من العالم؟ يشير رد طالبان الرسمي إلى أن الأمر لن يكون بتلك السرعة، ويجيب نائب المتحدث باسم الحكومة أحمد الله وثيق "ليس من الضروري أن يظهر الشيخ صاحب (وهو لقب آخر لأخوند زاده)، لأنه حتى بهذه الطريقة (التواري) قادر على القيادة بطريقة منظمة وفعالة"، وإن وعد بأنه سوف يظهر "عندما يكون ذلك ممكناً".
T+ T T-