الثلاثاء 18 يناير 2022
موقع 24 الإخباري

دلالات جولة ماكرون الخليجية ونتائجها

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زياته للإمارات (أرشيف)
الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زياته للإمارات (أرشيف)


مضت بضعة أيام على الجولة الخليجية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "3 - 4 ديسمبر(كانون الأول) الجاري"، التي استهلها في دولة الإمارات واختتمها في السعودية مروراً بقطر، وقد تراوحت ملفات الجولة ما بين اقتصادية وسياسية وأمنية عسكرية، ركزت على بحث العلاقات الثنائية والصفقات والعقود الاقتصادية والعسكرية، والملف النووي الإيراني، وأزمة لبنان، ومكافحة الإرهاب.

ونحاول هنا استقراء دلالات جولة ماكرون الخليجية وتقييم أهم نتائجها، فقد سعى الرئيس الفرنسي إلى تقديم بلاده كونها قوة توازن في مواجهة أزمات الشرق الأوسط، تتحدد أولوياتها في تحقيق الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتطرف، عن طريق تأسيس شراكات استراتيجية مع دول المنطقة.

ويمكن القول إنّ ثمة عدداً من الاعتبارات تسهم في نجاح المسعى الفرنسي، لعلّ أهمها: جاذبية النموذج السياسي والثقافي الفرنسي، والعلاقات التاريخية والشخصية التي نسجتها فرنسا في دول المنطقة وقادتها، والموقف الفرنسي الإيجابي من القضايا العربية.

ومن الاعتبارات الأخرى: تخفيض تركيز الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط مقابل التركيز على منطقة(آسيا - الباسيفيك) لمواجهة تصاعد القوة الصينية في النظام العالمي، والدعم الأوروبي لدور فرنسي موازن للدور الصيني المتنامي في المنطقة، لا سيما منذ طرح مبادرة الحزام والطريق في منطقة الخليج العربي عام 2015، التي غدت الركيزة الرئيسة للسياسة الصينية تجاه المنطقة.

ولعلّ من أهم نتائج الجولة الفرنسية في المنطقة تتعلّق بتشاور فرنسا مع دول مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني ونقل وجهات نظر هذه الدول إلى طاولة مفاوضات فيينا الهادفة إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، والتي اختتمت جولتها السابعة أخيراً، ومن ثم تصحيح الوضع غير المفهوم المتصل بعدم مشاركة دول المجلس في مفاوضات فيينا التي تبحث في قضايا حيوية للأمن الوطني والجماعي لهذه الدول.

ومن هنا، نفهم تأكيد ماكرون، في ختام جولته الخليجية في جدة، على أهمية إجراء مناقشات حول السياق الإقليمي للملف النووي الإيراني، وربطه معالجة هذا الملف بإرساء الاستقرار في المنطقة، وإشارته إلى ضرورة إشراك دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، في مباحثات فيينا النووية، وأرى أنّ الجولة الفرنسية، وما تلاها من تطورات تتعلق بالتقارب الخليجي - الإيراني تقوده دولة الإمارات، سوف تسهم في توفير فرص للتوصل إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي الإيراني.

كما أسفرت جولة ماكرون عن مبادرة لتسوية الأزمة اللبنانية - الخليجية، ولا سيما إثر استقالة وزير الإعلام اللبناني، جورج قرداحي، الذي كان أحد أسباب اندلاعها في الأول من نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي، فأثناء زيارته السعودية، تواصل الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي، بهدف إذابة الجليد المتراكم على العلاقات الخليجية - اللبنانية منذ اندلاع الأزمة، وإرسال رسالة تفيد باستئناف الدعم الخليجي للبنان لمساعدته على تجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة.

ومن ثم، لا نستبعد إعادة مستوى العلاقات الدبلوماسية بين دول المجلس ولبنان إلى ما كان عليه قبيل اندلاع الأزمة، علاوة على ذلك، طرح الرئيس الفرنسي أثناء زيارته للدوحة ما يمكن تسميته بمبادرة للانفتاح على نظام حكم طالبان، عن طريق كشفه مباحثات بين بلاده وعدة دول أوروبية - لم يسمها - تهدف إلى فتح مكتب تمثيلي مشترك لها في كابول بعد مغادرة السفراء إثر سيطرة حركة طالبان على السلطة في منتصف أغسطس(آب) الماضي.

وناقش ماكرون كذلك مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قضايا مكافحة الإرهاب وتمويل المجتمع الإسلامي في فرنسا؛ بما يعني التمهيد لإزالة عقبة أخرى في طريق تطوير العلاقات الخليجية - الفرنسية، وعلى مستوى العلاقات الثنائية، تمخضت جولة ماكرون عن تمتين الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وفرنسا التي بدأت منذ قيام الاتحاد، وتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.

ولعلّ من أهم معالم هذه الشراكة كون دولة الإمارات الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في الشرق الأوسط وافتتاح متحف اللوفر - أبوظبي، أكبر مشروع ثقافي فرنسي بالخارج، وتأسيس جامعة السوربون - أبوظبي، وتدشين مسرح الشيخ خليفة في قصر فونتينبلو بباريس، واتفاقية الدفاع بين البلدين عام 1995، وفي هذا السياق، وأثناء وجود ماكرون بإكسبو دبي، تم تكليل مفاوضات طويلة الأمد بتوقيع صفقة تاريخية لشراء 80 طائرة مقاتلة من طراز رافال وعدد من مروحيات كاراكال؛ لتحل محل أسطول الميراج في القوات الجوية الإماراتية ضمن استراتيجية الإمارات الشاملة لتطوير قدرات قواتها المسلحة، بما يخدم مصالحها الوطنية ويدعم دورها في عمليات حفظ السلام وصيانة الاستقرار الإقليمي.

وعندما حط موكب الرئيس الفرنسي في جدة، كان أول زعيم غربي بارز يزور السعودية منذ نحو 3 سنوات، وبالإضافة إلى التباحث في سبل تسوية الأزمة الخليجية - اللبنانية، أدت الزيارة إلى تعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الرياض وباريس، عن طريق توقيع اتفاقات تجارية كبرى، تستهدف تطوير الصناعات العسكرية، وقطاعات الخدمات والمياه في المملكة.

والخلاصة أن الجولة الخليجية للرئيس ماكرون جاءت في توقيت ملائم تماماً، تترافق مع ما تشهده المنطقة من تغيرات قد تسفر عن بلورة مرحلة جديدة في النظام الإقليمي، ودللت الجولة على ثقل العلاقات الإماراتية - الفرنسية؛ التي أصبحت تستند إلى شراكة استراتيجية واقتصادية متينة، علاوة على ذلك، أثبتت هذه الجولة الاهتمام الفرنسي بقضايا المنطقة، ودعمها للاستقرار الإقليمي، وبرهنت على الدور الشخصي للرئيس ماكرون في حلحلة الخلافات بين دول المنطقة، الذي بدأ بمشاركته في قمة بغداد لقادة دول الجوار أواخر أغسطس(آب) الماضي، واستكمل بإسهامه في إيجاد مخرج للأزمة الخليجية - اللبنانية.

إنّ الاقتراب الفرنسي الجديد من دول المنطقة، الذي يستند إلى شراكات استراتيجية واعتماد اقتصادي متبادل مكثف وانخراط في القضايا الإقليمية، سوف يسهم في زيادة فرص تعزيز التنمية وإرساء الاستقرار في المنطقة بعد عقد من الاضطراب.
T+ T T-