السبت 28 مايو 2022
موقع 24 الإخباري

انعزال أمريكا عالمياً وشرق أوسطياً... وصفة كارثية

لفت مدير شبكة معلومات سياسات الشرق الأوسط الدكتور إريك ماندل إلى أن 2022 بدأت بمواصلة الولايات المتحدة مفاوضاتها مع إيران على الاتفاق النووي، غير الشرعي.

أحببنا ذلك أم كرهنا، لا تزدهر أمريكا اقتصادياً إلا بالانخراط مع العالم بشروط لا تتركنا في وضع متأخر
في الوقت نفسه، لم يدرك الأمريكيون ستهداف إيران القوات الأمريكية في بغداد، وفي قاعدة عين الأسد العراقية، ورغم  انسحاب القوات القتالية الأمريكية من العراق امتثالاً للقانون العراقي، تواصل إيران استخدام ميليشياتها الوكيلة لإجبار أمريكا على مغادرة الشرق الأوسط برمته.

وكتب ماندل في صحيفة "ذا هيل" الأمريكية أن إيران ستستمر في استهداف الأمريكيين على امتداد الشرق الأوسط، بصرف النظر عن المفاوضات النووية. وتساءل عن جدوى الإصغاء إلى الانعزاليين وحزم الأمتعة للعودة إلى الديار، وإذا كانت أمريكا ستصبح أكثر أماناً مع ترك بصمة عسكرية في المناطق المضطربة.

الديموقراطية الدستورية
يشير ماندل إلى ضرورة مواجهة الولايات المتحدة نزعاتها المتناقضة عند قيادة سياستها الخارجية. إن النزعة الانعزالية لدى الجمهور الأمريكي تصبح حادة بشكل خاص عندما ترتبط بالشرق الأوسط خاصةً بعد المآزق في العراق وأفغانستان.

لكن الجمهورية الأمريكية ولدت ديموقراطيةً دستوريةً تمنح القادة الأمريكيين مهلة لإعطاء الأولوية لمصالح الأمن القومي طويلة المدى حتى ولو كان الشعب غير موافق عليها.

وعلى الجمهور انتظار عامين أو أربعة أو ستة أعوام للمحاسبة رغم أن الناخبين غالباً ما يعاودون الموافقة على ما كان يوماً، خيارات غير شعبية.

سبب التشويش
يذكر الكاتب القراء بأن المصالح الأمريكية في الخارج هي في الغالب اقتصادية مع وجود جيش قوي يفرض السلوك الإيجابي في البحر والجو.

وسبب التشويش على النقاشات يكمن في كيفية تأطيرها، إذ يحاول الانعزاليون تقديم النقاش على أنه بين الذين يعطون الأولوية لبناء الدولة الأمريكية من جهة، ودعاة حرب يتطلعون إلى إصلاح عالم غير عادل بدماء الجنود الأمريكيين، من جهة أخرى. والواقع أن كل أمريكي يريد إبقاء الجنود بعيداً عن الأذى ما أمكن. والمسألة الأكثر أهمية التي تطمس حين يثير المرء عاطفياً الحجة العسكرية، هي جميع الخيارات غير العسكرية التي على الولايات المتحدة اتخاذها، في التعامل مع العالم.

رؤوس في الرمال
يرى ماندل أن أكثر مثل تاريخي يدين الانعزالية هو موقف الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية. ألقى الرعب الجديد للحرب العالمية الأولى بظلاله على قدرة أمريكا على الانخراط مع أوروبا، لأن الانعزاليين ادعوا أنها لا ترتبط على الإطلاق بالمصالح الأمريكية.

كان ذلك قصر نظر، لم يكن التاريخ لطيفاً عند الرد عليه. وبسبب النزعة الانعزالية، كانت أمريكا قوة عسكرية من الدرجة الثانية، وغير جاهزة لمواجهة النازيين أو اليابان، وطيلة الفترة التي سبقت الهجوم على بيرل هاربور، مال الأمريكيون نحو الانعزالية، واضعين رؤوسهم في الرمال رغم المخاطر البديهية التي كانت تلوح في الأفق.

الانعزالية توازي الخسارة
إن نعت الانعزاليين لخصومهم بالليبيراليين العالميين، أو المحافظين الجدد، لا يخدم نقاشاً نزيهاً حول مصالح الأمن القومي الأمريكي. على عكس تهمة الانعزاليين للذين يريدون الإبقاء على الانخراط الدولي بذهنية الحرب أولاً، هنالك ظروف محدودة تتطلب التدخل العسكري. فالتهديد باستخدام القوة يخفف من احتمالات استخدامها، وفقاً للكاتب.

ويستشهد الكاتب بما أورده الصحافي في مجلة أمريكان سبكتايتور جيد بابين، الذي قال إن "على أمريكا أن تستعمل القوة العسكرية فقط حين تكون المصالح الحيوية لأمننا القومي مهددة. والمصالح الحيوية لأمننا القومي هي تلك التي يجب أن ندافع عنها لحماية حرياتنا المصانة بالدستور، ما يعني أنه علينا التمتع بالحريات في البحار، والسماوات، والفضاء، والعالم السيبيراني، وما يعني أيضاً أحببناهم أم لا، أننا ملزمون بالدفاع عن حلفائنا وآخرين، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، إذا تعرض أي منهم للهجوم". وأضاف بابين أن المحافظين والديموقراطيين المعتدلين "يدركون أن الانعزالية، مسار للإضرار أو لخسارة أمننا القومي".

واستشهد ماندل بالمنظر للتدخل الليبيرالي مايكل غيرسون الذي كتب في صحيفة واشنطن بوست مقالاً بعنوان: "انعزال الولايات المتحدة هو سياسة سيئة، حتى لو قال الأمريكيون إنهم يريدونها"، وخلص فيه إلى أن "للولايات المتحدة مشاكل لا يمكن عزلها، بل فقط مواجهتها. وكلما طال الزمن لإدراك ذلك، أصبحت مهماتنا أكثر صعوبة".

بين رد الفعل والقيادة
أشار ماندل إلى أن كثيرين في الشرق الأوسط وحول العالم يرون في الانعزالية ضعفاً يولد نقطة عطب. إن رفض الانخراط الدولي يقوض المصالح الأمريكية حيث لا يزال هنالك نفوذ لواشنطن يمكنها من تحديد مسار يخدم تلك المصالح.

إن رد الفعل على الأحداث الدولية عوضاً عن القيادة، هو وصفة لكوارث في المستقبل. ودعا الكاتب ختاماً الولايات المتحدة إلى ترك بصمة عسكرية صغيرة في الخارج للاستفادة من المزايا الأمريكية وحماية الصناعات الأمريكية الأساسية لأمن البلاد، وتأسيس اتفاقات تجارية متوازنة تعزز أمريكا اقتصادياً.

وختم بالقول: "أحببنا ذلك أم كرهنا، لا تزدهر أمريكا اقتصادياً إلا بالانخراط مع العالم بشروط لا تتركنا في وضع متأخر".

T+ T T-