الخميس 30 يونيو 2022
موقع 24 الإخباري

السيخ في أفغانستان...هذا وطننا لكننا نغادر يأساً

سيخ أفغان في مطار كابول لمغادرة أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي (أرشيف)
سيخ أفغان في مطار كابول لمغادرة أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي (أرشيف)
يجول غورنام سينغ بنظره على القاعة الكبرى في معبد السيخ في كابول التي كانت تستقبل في الماضي مئات المصلين، ولم يعد يرتادها اليوم إلا قليلون، ويقول: "الجميع يحب هذا البلد. نحن أفغان، هذا وطننا، لكننا نغادر يأساً".

تقف النساء في المعبد من ناحية والرجال من ناحية أخرى، حفاة القدمين على أرض مغطاة بالسجاد الأحمر. وتنشد كل مجموعة الدفء حول موقد حطب. يستمعون إلى مقاطع من الكتاب المقدس للسيخ، غورو غرانث صاحب، ثم يوضع الكتاب مجدداً باحترام على المذبح.

في نوفمبر (تشرين الثاني)، كانت هناك 3 نسخ من الكتاب المقدس في غوردوارا، كارت باروان، لكن نقلت اثنتان إلى دلهي "لوضعهما في مأمن".

وكانت طائفة السيخ في أفغانستان تعد في سبعينات القرن الماضي 150 ألف شخص على الأقل، إلا أن أربعين عاما من الحرب، والفقر والتمييز أدت إلى نزوحها، ولم يبق من أفرادها كثيرون.

بعد سيطرة حركة طالبان في منتصف أغسطس (آب) على البلاد، غادر حوالى 100 شخص إضافيين من السيخ. ويؤكد غورنام سينغ، أنه لم يبق سوى 140 شخصاً في كل البلاد، غالبيتهم في كابول وبضع عشرات في جلال آباد، شرق البلاد.

ويرافق مانموهان سينغ، 60 عاماً، الزوار الذين يقصدون المعبد، يشير إلى المطبخ المشترك والشقق السكنية التي تقطنها عائلات.

ويقول مبتسماً: "الفرح أو الألم اللذان كنا نختبرهما، تقاسمناهما هنا. لقد أنشأنا الغوردوارا أولاً، ومن ثم المباني من حولها، ومن ثم المدرسة. أنا أيضاً درست هنا".

ويضيف "عند إنشاء هذا المعبد قبل 60 عاماً، كان كل الحي ملكاً للسيخ، لم يكن يوجد مسلم واحد هنا".

لا يميّز المعبد من الخارج شيء عن المباني الأخرى في الحي. بابه الحديدي المرتفع، وجدرانه المطلية بالأبيض المائل إلى الأصفر يمكن أن تذكر بأي مكان إقامة فاخر.

ويخضع المكان لإجراءات أمن مشددة. فقد استهدفت العديد من الهجمات السيخ في السنوات الماضية، وهم أعضاء ديانة هندوسية تعد 25 مليون مؤمن، خاصةً في البنجاب في شمال غرب الهند. في مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، دخل مسلحون عنوةً إلى الغوردوارا وخربوا ما فيه، دون التعرف على هوياتهم.

واختار مانجيت سينغ، 40 عاماً، البقاء في افغانستان. على غرار عدد من السيخ، يملك سينغ كشكاً يبيع فيه منتجات صيدلانية وطبية.

ويشير إلى أن حركة العمل سيئة بسبب الأزمة الاقتصادية أكثر منه بسبب تدهور علاقات السيخ مع طالبان، أو مع بقية الأفغان، مشدداً على "أنهم أصدقاؤنا. نحن هنا الواحد من أجل الآخر".

في هذا الحي من شور بازار في جنوب كابول "لم يبق سوى عائلتين أو ثلاث بالكاد... غادر الجميع"، وفق قوله.

وتزوجت ابنته في العام الماضي من رجل أفغاني من السيخ، ثم نزحت إلى دلهي. وقدمت الهند مساعدة إلى السيخ الأفغان لتسهيل إقامتهم، ولكن دون أن تمنحهم جنسيتها.

لم يغادر مانجيت سينغ المكان. ويتساءل: "نذهب، إلى أين؟، إلى الهند؟ ماذا سأفعل في الهند؟ ليس لدي عمل أو بيت هناك".

في السابق، كانت شوب بازار ذات غالبية من السيخ، ولم يبق منها سوى شارع واحد هو شارع هندو، حيث يوجد الغوردوارا الأقدم في كابول، الذي شيد منذ حوالى "400 إلى 500 عام"، حسب مانجيت سينغ.

يعمل أبناء الطائفة على صيانته، فهو يبدو حديثاً ولكنه فارغ. ويقول سينغ: "سابقاً، كان العديد من الناس يأتون إلى هنا. كنا نقيم صلوات جماعية مرتين في الأسبوع الأحد والأربعاء".

ويعني مانجيت سينغ عندما يتحدث عن "السابق"، قبل هجوم مارس (آذار) 2020 الذي استهدف غوردوارا آخر في شوب بازار. وتبنى الهجوم الجناح الأفغاني لتنظيم داعش، واستمر6 ساعات.

قتل في الاعتداء 25 شخصاً بينهم شقيقة بارامجيت كور. وتعرضت بارامجيت، الأم لثلاثة أطفال، 30 عاماً، من جهتها، إلى إصابة في العين اليسرى. وعلى غرار كثيرين، قرّرت الفرار بعد الهجوم إلى دلهي.

وتقول بارامجيت: "في العاصمة الهندية، لم نجد عملاً، وعانينا من غلاء الأسعار، فعدنا إلى هنا". كان ذلك في يوليو (تموز) قبل أسابيع من عودة طالبان إلى الحكم.

منذ ذلك الحين، وجدت بارامجيت وعائلتها ملجأ في غوردوارا كارت باروان، حيث توفر المأوى والطعام.

لا يذهب الأولاد إلى المدرسة، ولا تخرج بارامجيت كور من الغوردوارا حيث تشعر بأمان لا تجده في مكان آخر. تفكر في الرحيل ولكن ليس إلى الهند، بل ربما إلى كندا، أو الولايات المتحدة.

وتقول: "نعيش في فقر مدقع هنا. ابني وبنتاي لا يزالون صغاراً جداً. إذا غادرنا يمكننا أن نخطّ مستقبلاً أفضل".

T+ T T-