الخميس 7 يوليو 2022
موقع 24 الإخباري

في رحيل فقيد الإمارات الشيخ خليفة بن زايد



تتشح الإمارات اليوم بالحزن وهي تودع قائدها الكبير صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، الذي مضى إلى جوار به راضياً مرضياً بعد حياة حافلة بالعطاء، كرّسها لخدمة وطنه وشعبه، وحقق فيها إنجازات ستظل ملء السمع والبصر، إنجازات تضيء سجلها الخالد الذي بدأه الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

إننا إذ نودّع اليوم بحزن عميق قائدنا وراعي مسيرتنا، لنستذكر ثمانية عشر عاماً من الإنجازات الكثيرة التي حققها الفقيد الكبير منذ توليه مقاليد الرئاسة، وإطلاق مرحلة التمكين ليكمل بها مرحلة التأسيس التي انطلقت منذ قيام دولة الاتحاد في ديسمبر 1971، والتي كان فيها على قدر التحدي الذي يواجه أي قائد يخلف الشيخ زايد صاحب الإنجازات العظيمة التي قاربت حدّ الإعجاز.

لقد أدرك فقيدنا الغالي منذ تسلمه الحكم حجم تلك التحديات، سواء على المستوى المحلي في إمارة أبوظبي أو المستوى الاتحادي في دولة الإمارات أو على الساحة الدولية، فشرع في وضع برنامج ضخم للتنمية يتمحور حول تمكين مواطني الإمارات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً وثقافياً، وتمكين المؤسسات المحلية والاتحادية لتكون قادرة على النهوض بالمهام الجسام التي تنتظرها.

امتلك صاحب السمو الشيخ خليفة فكراً عظيماً ورؤية شاملة، وتحلى بالتواضع وحب العمل بصمت وهدوء، مؤمناً بأن أفعال المرء، لا أقواله، هي خير من يتحدث عنه، فأعطى مثالاً يحتذى في الغيرية والإيثار منذ بداية حكمه لدولة الإمارات في العام 2004، واستهل حكمه بإطلاق فكرته عن "التمكين" لإطلاق طاقات المواطنين إلى آفاق أكثر رحابة وتوسيع مشاركتهم في المجالات التنموية كافةً، فكانت دعوته تلك خير ملهم لشعب الإمارات كي يكتشفوا قدراتهم، ويطلقوا إمكاناتهم.

لمس كل من كان يحيط بالفقيد الراحل هذه الخصال، فانطلقوا بالعمل تحت قيادته، مكبرين فيه هذه الخصال، وقد وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو رفيق درب الشيخ خليفة، الفقيد الكبير بقوله: "إنه يعمل بهدوء، وينجز من دون ضجيج، ويتابع عن قرب، ويتفانى بكل إخلاص".

أدرك الشيخ خليفة، رحمه الله، أنّ ما يشهده العالم من تحولاتٍ عميقة، على مستوى الأفكار والمناهج والتقنيات والعلاقات، يحتاج إلى إعادة ترتيب سُلم الأولويات للمضي قدماً في مسيرة التقدم والرفاه، فحدّد في خطاب التمكين، نهج الاستراتيجية المشتركة التي توجه رؤيته، والأهداف الكبرى لمرحلة التمكين، والوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وامتلك القدرة على إلهام الناس والمؤسسات لاكتشاف إمكاناتهم وإطلاق قدراتهم للمساهمة في ترجمة استراتيجية التمكين التي استمرت طوال عهده.

وقد اتسم نهج صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رحمه الله، على الدوام، بالحيوية والمرونة، فكان يحرص على هيكلة توجيهاته ورؤاه حول التمكين، وتخليق أفكارٍ ورؤى أخرى، ساهمت جميعها في استمرار إلهام المواطنين وشحذ هممهم للنهوض بوطنهم والارتقاء بحياتهم، واستطاعت الإمارات أن تكون في عهده مصدر إلهام لكثير من الدول والشعوب الأخرى في مختلف أنحاء العالم. كما أطلق المغفور له الشيخ خليفة عام 2011 مشروع العشرية الاتحادية الخامسة؛ لتعزيز برامج تمكين المواطن.

وكان آخر ما واصل به فقيد الوطن تطوير رؤيته الاستراتيجية للارتقاء بدولة الإمارات "وثيقة مبادئ الخمسين" التي أطلقها قبل أشهر خلال احتفال الإمارات باليوم الوطني الخمسين، والتي حدد فيها المسار الاستراتيجي لدولة الإمارات خلال الخمسين سنة القادمة.

إن ما ذكرته ليس إلا غيضاً من فيض، يشغلنا حزننا اليوم بمصابنا عن سرد تفاصيله الدقيقة، فالمقام اليوم مقام وداع ودعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، وسنحتاج في قادم الأيام إلى وقفات مطولة عند عظمة هذا القائد وإنجازاته.

إن ما سمعناه من كلمات تنعى فقيد الإمارات الغالي على لسان قادتنا وقادة الدول الشقيقة والصديقة، وكذلك ما امتلأت به صفحات مواقع التواصل من مشاعر عبّرت من خلالها الملايين عن حزنها العميق بوفاة رئيس دولة الإمارات، كل ذلك يعكس الأثر الطيب الذي تركه في نفوس الجميع بفضل سجاياه وأعماله الجليلة.

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أتوجّه بصادق العزاء إلى من يخفف وجوده أحزاننا ونستمد منه قوتنا، سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، سائلاً المولى، عزّ وجل، أن يربط على قلبه وقلوب إخوانه شيوخ آل نهيان الكرام وسائر شيوخ الإمارات، وأن يلهمهم الصبر والسلوان جميعاً.

رحم الله فقيد الوطن الكبير صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وأسكنه الفردوس الأعلى بصحبة النبيين الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
T+ T T-