الأربعاء 7 ديسمبر 2022
موقع 24 الإخباري

ذا هيل: سياسة إذلال روسيا حماقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.(أرشيف)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.(أرشيف)
حذر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ماكالاستر الأمريكية أندرو لاثام من زيادة وتيرة وحدة الدعوات إلى "إذلال" روسيا وإلحاق "هزيمة حقيقية" بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. استشهد لاثام بما كتبته آن أبلباوم في مجلة "ذي اتلانتيك" إذ دعت إلى تحقيق انتصار مذل وسريع وشامل على روسيا مع إنزال هزيمة عسكرية بها إلى جانب الألم الاقتصادي.

في غياب هزيمة شاملة على نطاق ما حصل سنة 1945 وهي بشكل بديهي غير واردة اليوم، يجب أن يكون الهدف الآن تسوية تفاوضية تترك كلاً من روسيا وأوكرانيا منهكتين، وراضيتين نسبياً، وشاعرتين بأقل مقدار ممكن من الإذلال
رأى لاثام في صحيفة "ذا هيل" أن هكذا دعوات قد ترضي العواطف لكن يجب ألا يتم السماح بتحول هدف إلحاق هكذا هزيمة بروسيا إلى سياسة. فالتاريخ يعلم قارئيه أن هزيمة كهذه لن تنتج التأثير المفيد على الأمن الدولي والذي يفترضه المدافعون عن هذا الهدف. على العكس تماماً. من المرجح أن يؤدي إنزال الهزيمة المذلة والشاملة على روسيا إلى تهيئة المسرح للمزيد من الخلافات والنزاعات.

للانتباه إلى هذا العامل
من الضروري وفقاً للكاتب الانتباه إلى عامل محفز غالباً ما يتم تجاهله أو التقليل منه في الحسابات التقليدية للسياسة الخارجية والاستراتيجية الكبيرة: الإذلال. تميل معظم نظريات العلاقات الدولية إلى افتراض وجود لاعبين عقلانيين يسعون إلى تمكين أو الدفاع عن المصلحة القومية للدولة بطريقة عقلانية.

في حين أنها لا تتعامى تماماً عن العوامل "غير العقلانية" في صناعة القرار الفردية أو الجماعية، تميل هذه المقاربات بشكل منهجي إلى تقليل أو تجاهل دور العواطف في صياغة السياسات الخارجية للدول. لكن كما حذر كلاوسفيتز منذ فترة طويلة، إن العواطف على العموم يمكن أن تلعب، وهي تلعب فعلاً دوراً مهماً في السياسة الخارجية خصوصاً حين يرتبط الأمر بالحرب.

كتاب عن الإذلال في السياسة الدولية
ترى جوسلين بارنهارت في كتابها الحديث "تداعيات الإذلال: الغضب والمكانة في السياسات العالمية" أن الشعور بالمهانة أثبت أنه دافع كبير للسياسة الخارجية – خصوصاً نوع السياسة الخارجية الانتقامية والتنقيحية التي تؤدي غالباً إلى الحرب. تبدأ حجة بارنهارت المقنعة بتعريف الإذلال على أنه "عاطفة سلبية ومعقدة للوعي الذاتي والتي تجمع بين إحساس المرء بأنه تعرض لسوء المعاملة مع شعور مؤلم بالشك الذاتي والعجز في مواجهة هذا الظلم". إنه ركيزة "للإذلال الوطني" الذي "ينشأ حين يختبر الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أعضاء في الدولة الإهانة باعتبارها الاستجابة العاطفية لحدث دولي".

وفقاً لبارنهارت، يحدث الشعور بالإذلال الوطني إما عندما تتعرض الدولة "لهزيمة سريعة أمام دولة ذات قدرة عسكرية أقل" أو "حين يقوضها الآخرون بشكل غير عادل". في كلتا الحالتين، يشمل هذا الإذلال "فقدان المكانة أو الهيبة" للدولة وبشكل غير مستحق على المسرح العالمي. وتظهر بارنهارت أمثلة تاريخية عن محاولة الدول التي تعرضت للإذلال تخطي هذه الحالة واستعادة مكانتها وهيبتها من خلال "استخدام القوة ضد الدولة المسؤولة عن إذلالها أو ضد دول ثالثة لم تكن متورطة في حدث الإذلال الأساسي".

ما يجب تفاديه

أضاف الكاتب أن الأمر لا يتطلب مقداراً كبيراً من الخيال لرؤية كيف سيؤدي إلحاق هزيمة مدمرة بروسيا من النوع الذي تدافع عنه أبلباوم إلى إذلال قادة البلاد وتحفيزهم على اتخاذ أي خطوات يرونها ضرورية وصولاً إلى إطلاق حرب أخرى لتخطي هذا الإذلال. وفقاً لبارنهارت، إن السياسة الحذرة التي تسعى إلى التقليل من إهانة الدول المهزومة ومن جميع التداعيات غير المرغوب بها يجب "أن تتجنب تقنين الدونية في المعاهدات والمفاوضات الرسمية وغير الرسمية". بعبارة أخرى، يجب أن تتفادى فرض معاهدات عقابية وتسويات تشرع الدونية وتسعى إلى التقليل من مكانة الدولة المهزومة.

التسوية المنشودة
في غياب هزيمة شاملة على نطاق ما حصل سنة 1945 وهي بشكل بديهي غير واردة اليوم، يجب أن يكون الهدف الآن تسوية تفاوضية تترك كلاً من روسيا وأوكرانيا منهكتين، وراضيتين نسبياً، وشاعرتين بأقل مقدار ممكن من الإذلال. لقد سبق لروسيا أن عوقبت فعلاً عبر هزائمها الميدانية المدمرة والعقوبات الاقتصادية القاسية التي تكبدتها بعد الغزو.

لقد تحطمت قوتها العسكرية التقليدية وتقلصت قوتها الناعمة والحادة بشكل كبير. باختصار، تابع لاثام، لقد اضطرت روسيا أن تدفع ثمناً بارزاً مقابل حربها العدوانية. بالفعل، من المرجح أن تكون قد عانت من إذلال وطني كبير بالرغم من أنه لن يقارن بما ستعاني منه إذا كان سيتم تضخيم هزيمتها شبه الكاملة في الميدان عبر هزيمة شبه كاملة على طاولة التفاوض.

نصيحتها غير مناسبة
يحدد لاثام الهزيمة الروسية الميدانية بالإخفاق في تحقيق انتصارات ميدانية مؤثرة أو في تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة بعد 24 فبراير (شباط) مع تكبدها خسائر بشرية ومادية كبيرة. ويرى الكاتب أن هذه الهزيمة كافية لمعاقبة روسيا من دون رفع مستوى الإذلال الوطني إلى مرحلة تكون فيها الحرب المستقبلية مضمونة.

ربما يعلم التاريخ المراقبين بكلمات أخرى أن الوقت الحالي ليس مناسباً للعمل بنصيحة أبلباوم وتكبير الإذلال الوطني الروسي إلى درجة متطرفة. عوضاً عن ذلك، ربما حان وقت إبرام اتفاق لتقديم "جسر ذهبي" إلى بوتين، وهي عبارة عن خطة كان يستخدمها الجنرال الروماني سيبيوس أفريكانوس لتطويق جيش العدو من جهات ثلاث وترك جهة رابعة مفتوحة كي يتمكن ذلك الجيش من الانسحاب تفادياً لحرب استنزاف. سيسمح هذا الجسر لبوتين بإنهاء الحرب من دون تضخيم الإذلال الروسي إلى درجة تطلق فيها روسيا بعد فترة مطولة من الغضب وإعادة البناء حرباً أخرى على جارتها الغربية.

T+ T T-